استحضار المجازر التاريخية والمنطق المقلوب

تم نشره في الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

الصراع الدائر حاليا بين الغرب وتركيا، والذي بلغ ذروته بإعلان فرنسا عن تشريع يؤكد ارتكاب تركيا مجازر بحق الأرمن ويرفض التشريع أي إنكار لهذه المجزرة. والرد التركي باتهام فرنسا بارتكاب المجازر الدموية في الجزائر اثناء الاستعمار الفرنسي لبلد المليون ونصف المليون شهيد. ويبدو واضحا للمراقبين، أن الخطوة الفرنسية جاءت لقطع الطريق على محاولة تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، واجبارها على الانكفاء داخل القارة الاسيوية. القرار الفرنسي جاء من منطلق التشدد الغربي في وجه أي تمدد إسلامي داخل القارة الأوروبية. وهي استراتيجية معلنة للأحزاب اليمينية الصاعدة في أوروبا والتي تعلن دائما عن مواقف غير ودية تجاه الوجود الإسلامي على أراضيها.
استحضار المجازر التاريخية يبدو انتقائيا لخدمة مصالح اقتصادية وسياسية للغرب وللصهيونية العالمية التي نجحت في استصدار تشريعات عالمية تؤكد مجازر أفران الغاز الألمانية بحق اليهود، واتهام كل من ينكرها أو يشكك في حدوثها بمعاداة السامية. وساهمت الآلة الإعلامية الصهيونية الضخمة في فرض حالة من الإرهاب الفكري ضد كل المشككين في حقيقة ما حصل. وتناسى العالم المتمدن كل المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ولم يأت على ذكر دير ياسين وقبية والسموع. واعتبر الحصار الجائر ضد شعب بأكمله في قطاع غزة دفاعا عن النفس.
لقد ارتكبت بريطانيا العظمى مجازر في شبه القارة الهندية، توجتها بتقسيم البلد إلى دولتين وزرعت مشكلة كشمير، لتكون قنبلة قابلة للانفجار، وإشعال نار الحرب في أي وقت يتم اختياره لإبقاء نار الحرب مشتعلة في المنطقة. وقامت بإهداء فلسطين للصهيونية العالمية لانشاء وطن لليهود. وشردت شعبا بأكمله في بقاع الأرض بدون ان يتقدم أحد بأي مشروع قانون أو تشريع يذكر حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، وبدون أن يتم تحميل مسؤولية هذه المأساة غير المسبوقة في التاريخ لأي جهة.
ورغم انقضاء سبعة عقود على إلقاء قنابل أميركا الذرية على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين وتدميرهما بالكامل ارضا وحجرا وبشرا، فإن أحدا لا يطالب باستصدار أي تشريع إنساني أو ثقافي أو اجتماعي من أجل المنكوبين وحقوقهم التاريخية أو على الأقل وضع المدينتين ضمن التاريخ الانساني الذي تم تدميره.
وقبل ذلك، كانت عملية إبادة قبائل الهنود الحمر في أميركا الشمالية، ونقل ما تبقى منهم إلى مستوطنات جديدة وسلخهم عن أرضهم وتراثهم وتاريخهم، تشكل علامة بارزة في التاريخ الدموي للحضارات الحديثة. ولولا صحوة ضمير لدى بعض المثقفين الذين نقلوا صورة عن عمليات الإبادة للقبائل الهندية من خلال افلام سينمائية، لما علم العالم عنها شيئا، ومثلها مأساة الشعوب الشركسية والشيشانية التي تم نقلها من موطنها وتهجيرها قسرا إلى أماكن بعيدة عن أرضها.
انه المنطق المقلوب للعالم المتمدن، الذي يختار ما يريد لفرض تشريعاته، ويتجاهل ما لا يريد، وفقا لمصالحه والرؤى التي يريد أن يتبناها، في عالم يرتع فيه القوي كيفما شاء... وينزوي فيه الضعيف رغما عنه.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لهم حق القوه .. (م.فتحي ابو سنينه)

    الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    استاذي العزيز , كما نعرف من يكتب التاريخ وينتقي احداثه ويحدد تاثيرها بل ويمليه عل الغير هو القوي , فمنطق القوه في عصرنا يغلب على منطق الحق او الحقيقه , ويغلب المنطق الاخلاقي , فالغرب لا يعاملنا بانصاف لا بسرد التاريخ ولا الوقائع المثبته مئه بالمئه , بل يكتب ويدعي ما يريد حتى ولو كان نسجا من خيال سياسييهم وليس مؤرخيهم , فالسياسه هي التي تكتب التاريخ ,
    وهنا العتب ليس عليهم اخي , العتب علينا نحن من استسلم لهم وسلم امره وامر كتابة تاريخه لهم , فحتى تاريخنا صيغ باقلام مستشرقيهم وكتبوه كما ارادوا له ان يكون ليخدم اغراضهم الدنيئه , ونحن كامه ان كنا نعتبر اننا ما زلنا امه , اختلطت فيها العرب بالاعراب وتشوهت فيها الثقافه والمفاهيم القيميه والاخلاقيه بحيث تحولنا الى شمعة في مهب الريح تتلاعب بها الامم وتتلاعب بتاريخها وتكتبه لها كما تشاء , تارة لغرض اثبات تخلف هذه الامه وتارة لتجريم قيمها امام العالم وتارة تعمل تعظيما لامور اصبحت حملا ثقيلا على تاريخنا المكتوب , والامر الشنيع اللذي نواجهه هو كتابة تاريخنا من قبل الانظمه الحاكمه المستبده , وارغام اطفالنا على تعلمه في المدارس , ورغم زيف هذا التاريخ اللذي كنا شهود عيان فيه ومن صناعه , ورغم زيف البطولات والانجازات والمعجزات التي صنعها ابطال وهميون كتبوا تاريخنا بايديهم الملطخه بدمائنا وبعمرنا اللذي اهدر من اجل استمرار سوادهم وتحكمهم برقابنا ,
    اذا تاريخنا يكتبه لنا من هم ضد مصالحنا ان كانوا اعداء خارجيون كالغرب وفرنسا او ولاة امورنا القابعين على صدورنا , ولا بد لنا يوما من الايام ان نعيد كتابته حين نفرض ارادتنا بالقوه , وكل ما يكتبونه هراء ,
  • »الانصاف هو الهدف (أرمني من الأردن)

    الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    لقد أتينا نحن الأرمن الى بلاد الشام ، وقد أنجد آباءنا وأجدادنا الناس الكرام الذين منحونا الحرية ، التي قابلناها بصدق الانتماء لكل بلد حللنا به ونفتخر بالانتماء له .
    واننا " وضمن فهمنا للحريات الشخصية " استنكرنا ما قامت به السلطات الفرنسية ، في وقت سابق من منع الحجاب لمن ارتضاه من المسلمين الفرنسيين بالجنسية أو المقيمين على أرض فرنسا ، ، ولكننا ولو كنا نعترض على القرارات الفرنسية الأخيرة التي فتقت جروحا قديمة ، الا أن هناك لدى الأرمن لوعة على ماحل بهم من ظلم وابادة من الدولة العثمانية لا يرتضيها أي شعب أو جنس من البشر لنفسه . . . ولمقارنة بسيطة أقول بأن المانيا اعتذرت لليهود الذين اغتصبت الدولة التي أحدثوها أرضا ليست أرضهم ، ، وجعلوا من أنفسهم ( اسيادا) لمن سواهم . . ونحن لم ننكر فضل من استقبلونا ,وليست مبالغة حين أقول اننا نحن الأرمن أصبحنا ، والحمد لله ، مثلا للأستقامة والمهارة التي تتردد على مسامعنا من أهلنا من الطوائف الأخرى في بلاد لا نسميها " بلاد الاغتراب " بل نسميها "الوطن الكريم " .