تونس الخضراء.. أسئلة الوعي والاقتداء

تم نشره في الجمعة 23 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

تتميز تونس الخضراء، وهي المرزوقة الآن، بخصائص نوعية ثلاث. أولاها، بركة الزيتون متحدا بشجر الصبر، أي "سلطان الغلة" كما يقول التوانسة عادة، وبدوام خضرتهما في آن. وثانيتها، أدوار ومؤسسات ثقافية نوعية محاورة نشطة، تجذرت على مدار عقود من الزمن أبعد خلالها النظام الأمني السابق إمكانيات العمل السياسي الحر عن مواطنيه. أما ثالثتها، فهي الرهان المرتقب على مغزى الربيع العربي المفتوح جماهيريا على الاحتمالات للآن، وأقصد شخصية الطبيب المناضل المنصف المرزوقي الذي زاوج وببراعة لافتة بين دراسة الطب على مستوى الدكتوراه من فرنسا، والدفاع عن حقوق الإنسان في وطنه حد الاعتقال والتشرد في مرحلة ما قبل الثورة، وها هو ينتخب رئيسا مؤقتا للجمهورية التي أسس مع رفاقه حزبا بغية الوصول إلى تحقيقها. وقد تحقق للأشقاء التوانسة ذلك، وبتشاركية سياسية وحزبية، لاسيما مع حزب النهضة الإسلامي الذي مثلت أطروحاته تحولا عقلانيا وواقعيا لتطور الإسلاميين السياسيين هناك بخصوص سعيهم الواثق للإجابة عن تساؤلات المشككين عن مدى جدية الإسلاميين في تمثل قيم التشاركية والحداثة قولا وعملا، تحت مظلة المواطنة كقيمة دنيوية مرتجاة للآن.
البشائر الأولية لنهج الرئيس المرزوقي تشي، للآن على الأقل، أنه لم يتغير عن كونه المناضل الراشح من أوجاع أهله وأمانيهم في الديمقراطية والمشاركة في التغلب على أسئلة البطالة والتهميش لمعظم الشرائح الفقيرة على الصعيد المطلبي في المجتمع التونسي الشقيق.
إن عيون المتابعين والتائقين من العرب والمسلمين ما تزال مفتوحة على الترقب للقادم من خطوات إجرائية يمكن أن يجسدها الرئيس المرزوقي، خصوصا بعد أن كرت دمعاته الحرى على شهداء وقرابين الثورة التونسية الرائدة من على بُعد نبض من تمثال الفدائي البوعزيزي الذي شُيّد حديثا، بكل ما يحمله من معنى ومبنى، وما لبث أن أتبعها -أي دمعاته- بقرار بيع القصور الرئاسية باستثناء قصر قرطاج. ورأى بعض الأكاديميين والإعلامين في القرار أنه مخاطبة وسعي سياسي لكسب العوام أكثر من حل لمشكلة البطالة وبذخ وامتيازات المسؤولين السابقين الذي أوصلوا الأمور في تونس إلى الثورة على النظام السابق.
أما ثالثة الخصائص اللافتة، فتتجلى في اكتفاء الرئيس المرزوقي بألفي دولار فقط من راتب رئيس الجمهورية البالغ ثلاثين ألف دولار، متبرعا بالمتبقي للفقراء والمتعطلين عن العمل، ورؤيته للتغيرات الواجب إحداثها بدءا من الجهاد الأكبر مع النفس وصولا للآخرين وضمن عملية مؤسسية مرتقبة.
أخيرا، انشغل الرأي العام العربي والإسلامي بالاستشهاد بنموذج رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان  في الحكم الذي نحترم رغم مغالاتنا أحيانا في ذكر محاسنه عموما بدون مساوئه، فهل ستتجه بوصلتنا قراء ومحللين ومعتصمين رغم خصوصية الأردن بنظامنا الملكي كقائد، نحو قراءة واعية وناقدة لما أنجزه أهلنا السلميون في تونس ترابطا مع انتخابهم للرئيس المرزوقي، كقدوة عربية إسلامية، وكثورة سلمية أنجبت صناديق اقتراعها خيارات حرة في الانتخاب، وائتلافات سياسية حزبية بما فيها الإسلامية السياسية، نتمى لها دوام النهوض والمراكمة على ما أنجزه الشهداء والمؤمنون بقيم التعددية والمواطنة تحت مظلة الوطن؟

husain.mahadeen@alghad.jo

التعليق