العنف النيابي و"الحق العام"

تم نشره في السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

كنت في قلب "المعركة" وشاهدا عليها. يتوسط المقعد الذي أجلس عليه مقعدي النائبين المتشاجرين، ويجلس الزميل
د.ممدوح العبادي، الناجي بطول باله، من "الشرر"، بجانبي ويفصل بيننا ممر لا يتجاوز المتر.
في البدء، كان نقاشا احتجاجيا خشنا من أحدهم على رأي نظامي بحت تحدث فيه د. العبادي، فاحتج عليه الزميل الآخر بأسلوب استنكاري. وخلال ثلاث ثوان انفجر عنف لفظي، فمائي (رشق بكوب ماء)، فمحاولات تفلت من الاثنين وكأن بينهما ثأرا دفينا.
لم يكن الخلاف على تشريع أو رأي حول قضية وطنية لنعزّي النفس بوجود ما يبرر ثورة الغضب، كما يحدث في "طوش" البرلمانات العالمية.
حدث هذا أمام عشرات من طلبة المدارس الذين جلسوا على الشرفة لمشاهدة الحوار في بيت الديمقراطية الأردنية.
ما حدث يدعو إلى الخجل. ولم يكن أمامنا، نحن الرافضين، لهذا السلوك "اللانيابي" سوى "الحولقة". وأظن أن الزميلين نادمان على فعلتهما، والدليل أنهما قبلا المصالحة بعد أقل من ربع ساعة. ولمن لا يعرف، هناك عدد من النواب متخصصون في إجراء المصالحات والوصول إلى مرحلة "بوس اللحى" حال نشوب خلافات أو مشاحنات بين النواب، جزاهم الله خيرا. لكن لا أجد أن الأمور يجب أن تتوقف عند المصالحة، فهناك "حق عام"، ولابد من أن يتحمل كل نائب أساء إلى زميله أو إلى المجلس أو إلى أي مواطن مسؤولية إساءته أو سلوكه العنيف مهما كان نوعه أو شكله. هل يعقل أن يضطر رئيس مجلس النواب إلى رفع الجلسة لعدم قدرته على السيطرة على "الفوضى" التي أعقبت الشجار وكادت تلغي جلسة لمجلس النواب، بدون أن يكون هناك تحميل للمسؤولية وإجراءات نظامية؟
منذ عهدي بالنيابة، تحل مشاجرات النواب ببوس اللحى والمصالحة بدون إجراءات "نيابية"، حتى عندما قضم نائب أُذن زميله وسقطت مضرجة بالدماء.
لست ضد المصالحات وبوس اللحى الغانمة، على العكس فإنني أشجع ثقافة التسامح والعفو وقبول الآخر، لكن لابد من إجراءات نظامية يقوم بها مجلس النواب دفاعا عن نفسه وهيبته وسمعته. في البرلمانات الديمقراطية التي تحرص على سمعتها و"هيبتها"، هناك لجنة دائمة تسمى "لجنة النظام والسلوك"، تشكل مناصفة بين الموالاة والمعارضة، ورئيسها يتم اختياره من المعارضة في بعض الدول (الولايات المتحدة). مهمة هذه اللجنة النظر في المخالفات السلوكية التي يرتكبها النواب بما في ذلك الغياب عن الجلسات، والنظر في الشكاوى التي تقدم بحق النواب أو لجان المجلس من أي جهة أو طرف. ولها أن تأخذ إجراءات تبدأ باللوم والنقد العلني، ولا تنتهي بحسم مالي من راتب النائب. وهناك مدونات سلوك تتضمن مئات المؤشرات والالتزامات السلوكية التي على النائب احترامها، تعتمد كقواعد للاحتكام إليها.  في التعديلات على النظام الداخلي المعروضة للنقاش أمام مجلس النواب، اقترحنا تشكيل لجنة للنظام والسلوك. ونأمل أن يمر هذا الاقتراح، فسمعة مجلس النواب وهيبته لا تأتيان من العدم، بل تبنيان ويؤسس لهما بالسلوك السياسي للنواب كأفراد وللمجلس كمؤسسة.
بقي أن أعلق كخبير شاهد العديد من حالات العنف النيابي على أشكالها، بأن المشهد الإعلامي (الكاميرات والصحفيون) والضغط النفسي السياسي والشعبي، يجعلان بعض النواب يخرجون عن أطوارهم في لحظات انفعال لا تستوجب "الثورة"، وتصبح مهمتهم إثبات قوة شكيمتهم ما إن يفتح "باب الشر". وهذا ما يفسر الاندفاع نحو الآخر بهدف إيذائه، مع أن مشاحنات وملاسنات أكثر حدة تحدث أحيانا بين نواب في الغرف المغلقة ولا يفكر أحد في إيذاء الآخر، لأن النواب كما أبناء شعبنا على خلق عظيم.

bassam.haddadin@alghad.jo

التعليق