علاء الدين أبو زينة

حركة "احتلوا" الأردنية!

تم نشره في السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

في البلدان المتقدمة اجتماعياً واقتصادياً، يحاولون الاستفادة من كل شيء تالف، فيدوّرونه؛ ويعيدون المواد المستعملة إلى المصانع لتدخل في الإنتاج مرة أخرى. ومن ذلك إطارات المركبات المستهلكة. وأعتقد أن لدينا مصانع "تلبيس" تقوم بتجديد الإطارات. لكن للأردنيين استخدامات شعبية محلية أخرى لهذه الإطارات، يفضلها الأردنيون على التبرع بالإطارات المستهلكة أو بيعها بسعر لا يساوي همّه.
كانت خبرتي الأولى عن الاستخدام الشعبي للإطارات التالفة حين زارنا قريب يعمل سائق سيارة أجرة في السبعينيات. وعندما كان يودّعنا ويغادر، فتح صندوق السيّارة وأهداني "عجلاً" لألعب به. وقضيت فترة وأنا "أدوّر" العجلة في شوارع الحارة بعد العودة من المدرسة، وأتفاخر بلعبتي الصبويّة الفريدة، وكأنني أقود سيارة "كشف".
وبعد ذلك، اكتشفت استخدامات اجتماعية أخرى للعجلات بعد أنّ توفرت للأطفال ألعابٌ أكثر رفاهيّة، فرأيت المواطنين الأردنيين يضعون الإطارات التالفة على الشارع، أمام المحال والبيوت، لمنع الآخرين من ركن سياراتهم هناك. وحتى لا يتمّ تحريك "العجَل" الخفيف، يضعون في وسطه "تنكة سمن" مملوءة بالإسمنت، وقد غُرست في وسطها سارية وشاخصة مكتوب عليها: "ممنوع الوقوف.. كراج خاص". وفي كثير من الأحيان، يبقى المكان "المحجوز" فارغاً يوماً وأيّاماً، بحيث لا يستخدمه أحد.
ولا تختلف استعمالات الإطارات لاحتلال مساحات من الشارع عن ممارسات أخرى محليّة بامتياز، مثل إقامة الأردنيين "صيوانات" الأفراح والعزاء في وسط الشارع تماماً، وإغلاقه بالكامل، استقواءً بالواسطة أو بالعزوة من المتجمعين في المناسبة من العشيرة والأصدقاء. وهناك أيضاً احتلال مسارب الشارع جميعاً، وإغلاق السير أو تعطيله في مواكب الأعراس، وليذهَب المستعجلون الآخرون إلى الجحيم.
أما الاستخدام الأخير الملفت للإطارات المستعملة في الأردن، فهو احتلال الشوارع الرئيسية والدولية وإغلاقها بالإطارات المشتعلة. وقد أصبحت هذه إشارة على حجز المنطقة للناشطين المنخرطين في مشاجرة عائلية كبيرة، أو للتعبير عن احتجاج "سياسي". ويُذكّر مشهد الشوارع التي تشتعل فيها الإطارات وتحتشد فيها العوائق بمناطق الاشتباكات والحروب التي تعنونها الأخبار: "اضطرابات في.." والقصد المعروف من إغلاق الطرق هو منع قوات أو جهات مُعادية من الوصول إلى المنطقة المقصودة، أو إعاقتها عن الوصول. بمعنى أنّه يجري احتلال المنطقة واجتراح السبل للدفاع عنها بكل الوسائل.
لا أعتقد بأنّ الأمور وصلت في الأردن إلى حدّ الاضطرابات، أو هكذا نأمل جميعاً. وما يزال بالوسع استخدام أشكال الاحتجاج الأقل كلفة والأكثر حضارية، مثل إقامة المسيرات والاعتصامات من دون تكسير ولا حرائق. ومع أنّ من الواجب تفهّم الأسباب التي تدفع مواطنينا إلى الاحتجاج، فإنّ إغلاق الطرق بهذه الطريقة هو وسيلة أكيدة لإلحاق الضرر بالمواطنين الآخرين، وتعطيل حركتهم وأشغالهم، وتعطيل الاقتصاد وخلق انطباعات سلبية عن حالة البلد بلا مبرّر.
ومع ذلك، يأمل الجميع أيضاً بأن لا يطول على الأردنيين انتظار التغيير الحقيقيّ الإيجابي الذي ينعكس على مستويات معيشتهم وحياتهم اليوميّة. والأساس في ذلك، أنْ تذهب الأسباب الجوهريّة التي تقلق المواطنين وتخرجهم عن أطوارهم. ويبدأ المطلوب بإصلاح بنية الاقتصاد وتوزيع الامتيازات، ولا ينتهي بإصلاح الثقافة والممارسات المجتمعية المليئة بالعيوب وموجبات الانكفاء والفردية. كما ينبغي إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس يستبعد انعدام الثقة والخوف والتربّص، ويرسخ عواطف الاحترام والتعالُق ووحدة المصلحة والتطلعات.
ربّما تتلخص المسألة مرّة أخرى في "تدوير" العجلات، حيث يرغب الأردنيَون في رؤية عجلة الإصلاح السياسي وهي تدور وتهدر فعلاً، ومعها عجلات الاقتصاد ومسننات آلة المجتمع الفتيّ المنطوي على الكثير من الطاقة والأحلام. وعند ذلك فقط، سيجد الأردنيون استعمالات أفضل للإطارات المستنفدة في مصانع التدوير، وسيتعلّمون كيفية الاستفادة من المطروح والمهمل ما دام المردود سيعود على الجميع.
بقي أن نتمنى على مواطنينا أن لا يكون عنوان حركة "احتلوا" الأردنية، هو احتلال أجزاء من البلد ومصادرتها بالإطارات المحترقة أو غير المحترقة.

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طالب ولكن بسمو (محبة الوطن)

    السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    نعم يجب ان نطالب لكن بكل هدوء واعتصامات راقية رقي الفكر وسامية سمو المطالب كيف تأتمن الوطن على من يكسر ويخرب ويهدم بأسم الاصلاح الله يحمي الوطن من كل سوء
  • »إطارات و لكن... (هيثم الشيشاني)

    السبت 17 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    نتمنى أن نستفيد من "إطاراتنا" في أشكال أخرى مفيدة "كذلك" :)

    أشكرك