محمد برهومة

"الباروميتر".. يتحسس القويّ القادم

تم نشره في الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2011. 03:00 صباحاً

يتيه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط فرحاً إذا سمع من يصفه بأنه "باروميتر اللعبة السياسية في لبنان". ويزداد سروره إذْ ينظر كيف يحلّل الآخرون التقلبات في لبنان والإقليم وفق أهواء جنبلاط وتحولاته. ومن المحافظة على بقاء الطائفة الدرزية وصون حقوقها ومكتسباتها، إلى الهيام بلعب دور "بيضة القبان" في التحالفات السياسية.. تراوحت سيرة جنبلاط السياسية على مدى سنوات طويلة.
"باروميتر جنبلاط" يؤشر اليوم إلى أنّ ما يجري من انتفاضة سورية ليس، برأيه، مؤامرة كما يقول النظام السوري ويردد. ووفق هذا المؤشر، دعا جنبلاط دروز سورية في منطقة جبل العرب إلى عدم الانخراط في قمع المظاهرات ضد الرئيس السوري بشار الأسد، مشددا بأن زجّ الدروز في أعمال القتل "خطأ تاريخي"، لافتا في حديث أجرته معه مؤخرا مجلة "المجلة" إلى أنّ اللبنانيين ليسوا بحاجة إلى دروس من إيران. وقبل أيام قال: "يهرب الإسرائيليون إلى حرب مع الذين يريدون حربا وما يسمى بمحور الممانعة.. من أجل الحفاظ على أنظمتهم".
"باروميتر جنبلاط" حذِرٌ وحساسٌ، ويحاول دوما أنْ تكون تقلباته محسوبة. فالمبادرة والمغامرة قد تكونان في كثير من الأحيان طوق نجاة، في حين أنّ التسرّع فيمن يضع على رأس أولوياته أنه يقود طائفة تحقق طموحه السياسي قد يقترب (أي التسرّع) إلى حدود الانتحار السياسي والاستضعاف الذاتي. واستنادا إلى هذا الفهم، يحاول جنبلاط أن يفصل موقفه من التطورات في سورية عن موقفه من "حزب الله"، حليفه الذي يقود الحكومة اللبنانية. فما يزال "الباروميتر" يصف الحزب بـ"المقاومة" ويرفض القول إنه نادم على "التحوّل" الذي قام به بعد العام 2008 واكتمل حين زار معتذراً دمشق بوساطة من "حزب الله" في آذار (مارس) 2010. وعلى الرغم من تلك الاحتياطات والتحفظات التي تكشف عن مأزق الخيارات، فإن لعبة تدوير التحالفات تبدو مفتوحة أمام جنبلاط حين نراجع قوله -على خلفية إصرار الرئيس نجيب ميقاتي على تمويل لبنان لمحكمة الحريري- إنّ ثمة "مصلحة وطنية في تمرير التمويل"، مخالفا بذلك رغبة "حزب الله" الذي قبِل بذلك على مضض شديد، ظهر واضحا في خطاب السيد حسن نصرالله الأخير، الذي ألمح إلى أنه مقابل ذلك ينبغي "فتح ملف شهود الزور"، على الرغم من أن جنبلاط أكّد مرارا أن "ملف شهود الزور لا يقدّم ولا يؤخّر في مسار المحكمة".
سورية قطعت الاتصال والحوار مع جنبلاط بعد مواقفه من الثورة السورية، و"حزب الله" يصمت عن جنبلاط لأنه القشة التي ستقصم ظهر الائتلاف الحكومي في لبنان، ويتذكّر الحزب أن جنبلاط هو من جعل "حزب الله" وحلفاءه أغلبية شكّلت حكومة ميقاتي وأسقطت حكومة غريمهم سعد الحريري.
لطالما أخذ جنبلاط خطوة إلى الأمام قبل الجميع، ولطالما أدرك أنّ إغفال لعبة المصالح في السياسة يحيل المبدئية إلى دوغمائية. ومن هنا لا يجد حرجا في البحث الدائم عن الأقوياء الحاليين والأقوياء القادمين، ويحدد تحولاته وتحالفاته ومواقفه وفقا لذلك. ولحسن الحظ أنّ القوي القادم هذه المرة.. شعبٌ سوريّ حرّ قدّم نحو 5000 شهيد ليعيش بكرامة ويرث نظاما دمويا يلحظ "الباروميتر" أنه يلفظ أنفاسه.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الباروميتر يتحسس القي القادم (حفظي الرفاعي)

    الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    تحليل سياسي صحيح وبمرجعيات سليمة .. ولكنني أخالف الكاتب المحترم فيما خلص إليه من نتيجة . ولعله من نافلة القول أن ألمتتبع للسياسة الجنبلاطية القائمة كمسلم من مسلمات السياسة اللبنانية ، ذات التأثيرات البالغة على مساق ومجريات السياسة على صعيد المنطقة الشرق أوسطية يلحظ التحول الدراماتيكي ، بنسبة 180 درجة للسياسة الجنبلاطية على الساحة اللبنانية .. والذي أدى واقعا" إلى قلب موازين القوى السياسية والعسكرية فيها .. ومرد هذا التحول إنما يعود إلى أن (ميات) الزعيم الدرزي إنما كانت ع النار .. وأنا أعني ما أقول .. ولما تيقن جنبلاط من أنه لا إنفكاك له وبالمطلق من الدائرة التي تم حصرها فيها بخيارين لا ثالث لهما وهما :- إما [ غيرت ] .. وإما {قتلت} فسارع إلى الخيار الأول .. وكان ذلك في عام 2008 ، مرتئيا" أن الخارطة الجيوسياسية الحالية وللمنطقة برمتها لا تسمح له بحال إلى العودة إلى ما قبل 2008 وعلى الإطلاق ; أما بخصوص توقعات الكاتب بأن هناك (تغيير) قادم في الثوابت والمرتكزات السورية .. فهذا ما لن يحصل وتحت كل الظروف ، إذ أن التغيير القادم في سوريا إنما هو تغيير أشخاص لا تغيير سياسات .