الربيع الروسي

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

لم يصدّر الشرق الأوسط والعرب الكثير من غير النفط والطاقة في عقودهم الأخيرة، ولكنهم اليوم يلهمون مجتمعات أخرى تتوق إلى الحرية والعدالة والحاكمية الرشيدة، بعد أن أصبح ربيعهم العربي محط اهتمام العالم ومثارا لإعجابه. لا أحد يستطيع الادعاء أو أن يثبت علميا أن ربيع روسيا جاء محفَزا أو متأثرا بالربيع العربي، ولكن أحدا أيضا لا يستطيع أن ينكر حجم الذهول العالمي مما يحدث في الدول العربية، ومن سقوط من كان يعتقد أنهم عصيون على السقوط. وليس منّا من يستطيع أن يتجاهل أيضا حجم الاحترام الهائل والإعجاب الذي اكتسبته وما تزال الأمة العربية بعد أن دشنت ربيعها بعد أن كانت آخر معاقل الدكتاتورية في العالم.
روسيا تقف اليوم أمام مرحلة سياسية تاريخية لا تقل أهمية عن مرحلة انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي؛ فإما أن تصبح دولة ديمقراطية فيها من تداول السلطة والحقوق السياسية والمدنية ما يقنع جمهور ناخبيها، أو أن تستمر في أن تكون دولة "غير ديمقراطية" أو "شبه ديمقراطية" فيها درجة من الحقوق السياسية الإجرائية لكن بما لا يرتقي بها إلى أن تصبح ديمقراطية كاملة.
"قيصر روسيا"، فلاديمير بوتن، أبدع في امتطائه النظام السياسي الروسي وتلاعبه به، فبدّل الأدوار، وهيأ النخب وصناع القرار، وأعاد لكثير من الروس اعتدادهم القومي الذي فقدوه بمهانة بعد الحرب الباردة. ولكنه اليوم يستنزف كل ما في جعبته من ألاعيب سياسية، ويقف أمام رأي عام غاضب لا يريد حاكما مستمرا لبلاده وإن كان عن طريق صناديق الاقتراع.
الدرس الأساسي المتعلم مما يحدث في روسيا، هو أن الناخبين وإن كانوا لا يستطيعون إثبات تزوير الانتخابات، فهم ما يزالون قادرين على إدراك مناورات سياسية كتلك التي يقوم بها الرئيس الروسي السابق والقادم. وهم أيضا من خلال رفضهم لنتائج انتخابات لا يستطيعون إثبات أنها مزورة، إنما يعبرون عن رغبة في تغيير آليات العمل السياسي الروسي بما لا يمكّن بوتن أو غيره من التلاعب والتنقل من موقع إلى آخر بسهولة ويسر.
التلاعب السياسي للرئيس الروسي يأتي متقدما وأكثر تعقيدا من ذلك الذي كان سائدا في الوطن العربي ونهجه رؤساء عرب آثروا التوريث والفوز في الانتخابات بنسب مهولة. ولكن حتى ذلك لم يعد ينطلي على أحد، لا في داخل روسيا ولا في خارجها. وقد أدى إلى تنامي وعي الناخبين الروس إلى درجة جعلت من هذا الوعي ضمانة التغيير الديمقراطي الأساسية، وجوهر ترسيخ نظام سياسي يحتكم إلى معايير الحاكمية الرشيدة وينسجم مع جوهرها.
الثابت الآن أن الرئيس الروسي القادم وحليفه المغادر لن يستطيعا الاستمرار في لعبة تداول الأدوار، وهما على الأرجح إما سيتنازلان عن الحكم بطريقة ديمقراطية أو غير ديمقراطية، أو سيهيئان لنخبة جديدة موجهة من قبلهما. ولكن على جميع الأحوال، فالحقيقة تبقى أن الشعب الروسي لن يقبل ببهلوانيات سياسية جديدة من قبل قياصرة روسيا المنتخبين بالتداور.

[email protected]

التعليق