د.باسم الطويسي

الدولة القادمة: المواجهة مع المجتمع

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

مسلسل مفاجآت الربيع العربي يستمر، ليس بصعود الإسلام السياسي التقليدي، بل بالاندفاع الكبير للتيار السلفي إلى الواجهة السياسية، الأمر الذي يدفع أسئلة المجتمع القلقة لتتقدم على أسئلة السياسة التقليدية، وهي الأسئلة المرتبطة بالحياة اليومية للناس، وببنية المجتمع.
فجأة، يتراجع الانشغال بالحوار مع تيارات الإسلام السياسي بعيدا عن الموقف من اتفاقيات السلام، ومستقبل الصراع مع إسرائيل، ومصادر التهديد التقليدية والجديدة، والموقف من التحالفات الدولية، إلى فضاء آخر، تتراكم الأسئلة فيه حول أدبيات فقه النساء، من الحجاب وصولا إلى نزولهن البحر، مرورا بمنع الخمور والموقف من الموسيقى والسينما وحرية المعتقد والتعليم والبحث العلمي، وغير ذلك من تداعيات درامية مدهشة.
إلى هذا الوقت، لا يوجد إعلان نوايا سياسية واجتماعية واضح وملتزم به من قبل القوى السياسية الإسلامية يقدم بشكل واضح أدلة تعد بالحفاظ على قواعد اللعبة الديمقراطية النظيفة؛ ولا يوجد دليل واضح بالمقابل على نوايا تشدد هذه التيارات في ممارسة السلطة وإدخال المجتمع عنوة في جلبابها.
إن لعبة المتشدد والأكثر تشددا، كما يبدو في مستقبل العلاقة بين الإخوان المسلمين والتيارات السلفية، قد تكون أحد الفخاخ التي تدفع هذه التيارات نحوها لتجد نفسها في لحظة ما في مواجهة مع المجتمع، كما برز في دعوة الإخوان إلى دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، ثم رفض السلفيين لتلك الدعوة، وصولاً إلى تراجع الجميع عنها. والتساؤل الحرج الذي يطرح من خلفية الإيمان بحق تيارات الإسلام السياسي في الوصول إلى السلطة، بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، يدور حول ما قد يفرضونه من تغيير اجتماعي وثقافي قسري قد يضحي بالديمقراطية ذاتها، تحت مبرر القاعدة التراثية "دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة"، والتي استهلكت جل فعاليات هذه التيارات على مدى أكثر من نصف قرن، وهي المرحلة التي حضّرت فيها هذه التيارات خميرتها التاريخية.
إن مصدر التهديد الأكثر خطورة يتمثل في التوترات الطائفية واحتمالات تحولها إلى عنف دام عابر للأديان وداخل الأديان نفسها، وآخر تعبيراتها القوية الأحداث الطائفية المتتالية بين المسلمين والأقباط في مصر، والتي تعمل ببطء وبشكل صادم على ضرب السلم الأهلي والتكامل السياسي والاندماج الاجتماعي في العمق. والخطير فيها هو بروز دور الحركات السلفية إلى واجهة الصراعات الطائفية؛ استمراراً لمسار معقد من التوترات الطائفية التي تشهدها بشكل عنيف ست دول عربية على الأقل، وتعبر عن خبرة قاسية في إدارة الاندماج الاجتماعي، الأمر الذي يدعو إلى إعادة النظر بمقولة موت أسامة بن لادن وتنظيمه في ميدان التحرير ووسط الثورات الحاشدة.
لم توفق المجتمعات العربية، بكل مكوناتها السياسية والثقافية وفي مقدمتها تيارات الإسلام السياسي، في إنتاج "رأس مال اجتماعي" يحمي القيم المدنية المشتركة، ويمنع المواجهة بين المجتمع والدولة مهما تغيرت اتجاهات السلطة السياسية ومرجعيتها الفكرية، أي التوافق على القيم الكبرى التي تشكل الأرض الخصبة للإصلاح في القيم والمعاني والإرادة المشتركة والتمأسس، أي تبلور "الجماعة الوطنية المدنية" التي تعمق استيعاب المجتمع للإصلاح، وتبني الثقة داخل المجتمع، وتحرص دائما على إبقاء خطابات الإصلاح والتنمية السياسية في دائرة الحكمة والعقلانية واستشعار المصالح الوطنية بحساسية واضحة.
إن الفضيلة التاريخية الكبرى التي قد تحسب لتيارات الإسلام السياسي التي تتابع الوصول إلى السلطة، والتي قد تؤهلها إلى تجاوز أزمة المواجهة، تتمثل في فتح المجال العام لنمو وازدهار رأس مال اجتماعي يحمي القيم المدنية المشتركة للمجتمع. هذا المخرج لن يأتي بين ليلة وضحاها، لكنه يحتاج إلى إعلان نوايا تاريخي منذ هذه اللحظة.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اعلان النوايا (محمد البطاينة)

    الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    وهل كانت النظم الحاكمة تعلن نواياها وتأخذموافقة الناس عليها ؟ بدلا من التنظير والتلاعب بالالفاظ فان الواقع يقول ان هذه المنطقة بمكونها الاكبر هي منطقة اسلامية وان محاربة الاسلام السياسي من قبل الانظمة على مدار عقود خلت قد زاد من شعبية هذه التيارات في اوساط الناس ، وسيدفع الناس ثمن اختياراتهم سلبا وايجابا ، وفي مراحل متقدمة قد تنضج فكرة تداول السلطه بشكل سلمي ، ولكن طبيعة العقليه في مجتمعاتنا لا تسمح بهذه الفكره ( الخياليه) بالتطبيق على ارض الواقع