علاء الدين أبو زينة

الدنيا بَرد!

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2011. 02:00 صباحاً

المواطن الأردني العادي يضيع تماماً إذا أبحر في متاهات أرقام الموازنة، وصندوق النقد الدولي، أو بنود اتفاقية "الغات". بل إنه يضيع في الأبسط، في التعامل الأقرب مع إدارة "موازنته" الخاصة حين يقبض راتبه -أو ما تبقى منه- أول الشهر. وكنتُ أعرف أصدقاء منظّمين (ليس في حزب سياسي) يضعون راتب الزوج والزوجة في شكل أوراق نقدية على الطاولة، قبل بطاقات الائتمان، ويوزعونها في مغلّفات رسائل، مكتوب عليها العناوين: أجرة البيت، مصروف ماء وكهرباء، مصروف طعام، مصروف جيب "فلان" ربّ الأسرة.. إلخ.
هذه الأيام، يقول الزملاء والأصدقاء كثيراً عبارة "الدنيا برد"، وينكمشون ويعصرون أيديهم. وآه كم من التوابع تتعلّق بأذيال هذه العبارة، من الحرفيّ إلى المَجازي! مثلاً: يحتسبُ المتسامرون -على سبيل التنفيس وتزجية الوقت- كلفة التدفئة: إذا كانت لديك مدفأة "كاز"، وأخرى "غاز"، فإن الأولى تستهلك غالوناً على الأقل في الأسبوع، يعني حوالي 70 ديناراً في الشهر؛ وتستهلك مدفأة الغاز في المعدل خمس إلى ست إسطوانات، يعني حوالي 30 ديناراً شهرياً. المجموع: 100 دينار إضافية يجب أنْ يُفرد لها مغلّف رسائل وتقتطع حصته من المغلفات الأخرى –معظمها من مغلّف موازنة الطعام غالباً. ويُرجح أنّك لن تشعل المدفأتين كل الوقت، وستزعم لأولادك بأن البيت دافئ وتستغرب أنهم "بردانين". أمّا إذا كنت محظوظاً وكان في بيتك تدفئة مركزية أو مكيف، فقد يغريك ذلك بتشغيلها، وتتكلف أضعاف المبلغ ثمناً للسولار والكهرباء. وستشكو أيضاً.
إذا كان لديك "كانون" أو "فاير بليس"، فيمكنك أن تصطحب فأسك وتقود سيارتك -أو تستعين بصديق عنده سيارة- لتحتطب في الأحراج، فتقع في الإحراج: إمّا أن تقف محرجاً أمام ضميرك البيئي لأنّك تهدر ثروة البلد الحرجية وتجهض الشعار الوطنيّ "أردن أخضر عام 2000"؛ وإما مُحرجاً مُسبل اليدين والعينين أمام مفتشي مراقبة الغابات؛ أو تكتشف أن الشجر الذي تقطعه ليس مُشاعاً، وإنما له صاحب يضبطك تقطع أطراف أشجاره، فتقف أمامه مُشاعاً.
ثمّ، هناك نزلات البرد والفيروسات التي تنشط في الشتاء، حين تنام الحياة، وتصيبك السّخونة بالبرديّة. وإذا لم يكن لديك تأمين صحّي، فستسحب من كل المغلفات لتدفع للأطباء والصيادلة. وسيلتقط العدوى أولادك في المدرسة، وأنت في العمل، وتتوزعونها في العائلة. وسيتذكر الجميع أيضاً أنّ ليس لديهم سترة دافئة، أو حذاءً برقبة، أو "بلوزات" صوفية. وإذا كان معطف البنت الكبرى الذي صغر عن مقاسها لا يناسب أختها الأصغر، فستصاب ميزانيتك بمزيد من العطب. وماذا إذا كان لديك أبناء في الجامعة، وأصبحوا يطالبونك بقسط فصل الشتاء؟!
باختصار، لا متّسع للأردنيين العاديين حتى يفكروا في الحاجات العُليا (حسب هرم ماسلو): الحاجة إلى تحقيق مكانة اجتماعية مرموقة والشعور باحترام الآخرين والثقة بالذات؛ تحقيق الذات باستخدام الإمكانات وتعظيم الإنجازات. فهناك الحاجات الدنيا غير متحققة، بدءاً من الأمان الاجتماعي، وانتهاءً بتفكير العزّاب بالزواج. وماذا عن التفكير في الانتماء إلى حزب أو منظمة مجتمع مدني، أو حضور مسرحية في المسرح مثلاً؟ وقد يفكر الأردنيون في "الديمقراطية" بمعناها البسيط: أن يجيء يوم لا يلاحقك فيه القلق والمُطالبات على الأعقاب، وأن تهدأ نفسك و"تنبسط" مثل الأردنيين غير العاديين. لكن ازدحام الفكر يثبط الهمّة عن مجرد التأمل.
وفي الأخير، يطالعك خبر في الصباح على صدر الصحيفة: يقولون إنهم سيرفعون الدّعم عن المحروقات فيأخذون منك بقيّة الدفء، وكأنك كنت تشعر أصلاً بأنك مدعوم حتى تتهيأ لأن تصبح غير مدعوم. وتذهب إلى شغلك، فتجد الجميع متجهّمين، منكمشين، ومنشغلين بأشياء متشابهة. ويمكنك أن تخمّن بكثير من الدقّة فيمّ يفكرون. وإذا سألت أحدهم: كيف الحال؟ "زوَرَك" بنظرة تساؤل واستغراب من السؤال، وكأنك شتمته! وتعود في المساء إلى مشاهدة الفضائيّات، فيطالعك أناس غاضبون في الشوارع تحت البرد والمطر، وبقع كثيرة من الدمّ على الملابس.
وقد تشعر أخيراً بأنّ الدُّنيا كلها أصبحت تنثُّ البرْد؛ وبأنّهم لّم يتركوا أيّ وسيلة لكي تكون الأماكن في أيّ داخل دافئة، ولم يعد فيها ما يُغري بالرّكون، فترتدي معطفك، وتتلفع بكوفيتك، وتخرج للاستدفاء بأجساد مواطنيك المتراصفة المحتجة في الشوارع!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دفء الجسد ودفء الروح (د.عدنان جابر (كاتب وأسير سابق، دكتور في الفلسفة))

    السبت 31 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    الأستاذ علاءالدين أبو زينة: أحييك على هذا المقال. على الوجع. أتمنى لك وللشعب الأردني المزيد من دفء الجسد ودفء الروح.
  • »حبذا لو نفكر جديا بالنظام الأشتراكي (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    بولد المواطن الأردني ليتعذب .فوصفك للحال بدمي القلب والوجدان ، ويزيد المواطن بردا اذا لم يتمكن بالذهاب الى مسيرات يوم الجمعة الذي شعاره لزوا تستدفون .ويتمنى أن تكون المسيرات 24ساعة . وكل ايام الشتاء لآن التدفئة مجانية ..لن يحسن وضع العالم العربي الا تطبيق النظام الأشتراكي الذي من اول شروط الأنتساب ان المواطن ملك الدولة والدولة مسئولة عن تعليمه وتطبيبه وجعله يعيش مرتاحا براتبه وغلاء المعيشةوأي مصارف أخرى ..فكل شيء يكون مؤمنا لكل مواطن ، والمواطن يتوظف حسب تخصصاته في اي عمل شاغر اذ يشعر الجميع انهم سواسية أمام الدولة والقانون ..وأرجو الا يرتعب القاريء من كلمة أشتراكي .فمعظم الدول الأوروبية قد غيرت انظمتها من دول رأسمالية الى دول اشتراكية ..فالأشتراكية هي التي ستدفيء البيوت ، وأماكن العمل ، وأماكن اللهو ، والمدارس والجامعات والكليات ..وتخيلوا اردننا وهو ينعم بكل خيرات الله مجانيا
  • »و الله برد (Bisan Alghawi)

    الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2011.
    مبدع كالعادة كتير حبيت المقالة قرأتها عدة مرات.. و الله يمرق هالشتوية ع خير