د.باسم الطويسي

الإسلاميون والدولة: الإدارة الحرجة للتاريخ

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

مع الكلمة الأخيرة التي قالها المصريون في الانتخابات البرلمانية، سيكمل الإسلاميون الحلقة القوية في الوصول إلى السلطة السياسية في الديمقراطيات الوليدة فيما يثبتون أقدامهم بقوة في أرض الثورات الرخوة. يحدث ذلك في دراما سياسية وشعبية تحمل قوة الدهشة في التاريخ، وتضع هذه الكتلة الاجتماعية التي يعرفها العالم بسماتها وهويتها الدينية أمام اختبار حرج مع التاريخ.
ومع اختلاف وسائل وأساليب التحول في تداول السلطة، يبدو أن جميع الطرق تأخذ بالتيارات والجماعات الإسلامية إلى السلطة، كما حدث في صناديق الاقتراع التي جاءت على أكتاف الثوار كما حدث في تونس ومصر، ومن خلال الإصلاح الذاتي، أي عبر خطوات إصلاحية  تقدم عليها الأنظمة كما حدث في المغرب بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة بصيغة ائتلافية لأول مرة في تاريخ المغرب، بينما تشكل الكتلة الإسلامية رأس حربة النظم المنتظرة في كل من ليبيا وسورية واليمن.
يحدث ذلك وسط حالة غموض فارقة، لا أحد يستطيع أن يرى فيها أبعد من إصبعه، ولا أحد يستطيع أن يجزم بشأن ما سيحدث غدا، بينما أعداء الأمس الذين هشموا الإسلام السياسي فيما سمي بالحرب على الإرهاب، هم من يفتح الدروب الصعبة أمام القادمين الجدد، وهذا بحد ذاته ليس عيبا يدينهم، بل اللغز فيما تفضي إليه هذه الحالة من غموض وعدم يقين على المستقبل.
المسار الطبيعي للتاريخ الإنساني في هذا الجزء من العالم يقول بأن هذه مرحلة لابد منها، وأن العرب بحاجة إلى مرحلة الانتقال من حالة الشعوب النيئة إلى حالة الشعوب الناضجة، والتي قد تحتاج إلى حالة من الطبخ على نار مستعرة ربما حتى نهاية القرن الراهن، سيشهدون فيها صراعات وحروبا أهلية وإقليمية ودولية وفتنا، وقس على ذلك من أحوال، حتى يدخلوا في عملية تاريخية جريئة ودقيقة تقود إلى إصلاح ديني حقيقي يعيد ميلاد المجتمع والدولة من جديد على أسس مدنية وديمقراطية.
هذا المسار التاريخي الذي مر به الغرب مرت به جماعات ثقافية أخرى، عرفت تجاربهم صخبا أقل مما أحدثه الغرب عبر حروبه وثوراته واقتتاله الداخلي، وصولا إلى تصدير حروبه إلى العالم حتى استقر به الحال. كذلك مرت به شعوب في الشرق الأقصى باختلاف دياناتها الأرضية والسماوية وفلسفاتها.
في المقابل، لا أحد يستطيع أن يدّعي أن هذا المسار إجباري أو قدر محتوم، وأننا سنستهلك أجيالا ونحن ننتظر حركة إصلاحية اجتماعية كبرى، وتنويرا عربيا– إسلاميا. بل إن التحدي الكبير أمام الكتلة الاجتماعية–السياسية التي تبدو كبيرة اليوم وتتخذ من الدين الإسلامي أيديولوجيا سياسية للوصول إلى السلطة، هو أن تحدث صدمة سياسية للعالم إذا ما استطاعت أن تبني دولة كل الناس. المسار غير الإجباري يعني أن تدخل النظم السياسية في الديمقراطيات الوليدة هي ذاتها في حركة الإصلاح الاجتماعي–الديني على طريقتها التي تخدم إنجاز نماذجها المحلية من الديمقراطيات التي لابد أن تتكئ على التراث الإنساني المشترك في الديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامة البشر وحق الاختلاف واحترام الخصوصيات، أي دولة كل الناس التي يفترض أن يفهمها الإسلاميون قبل غيرهم.
المسار غير الإجباري يبدو للوهلة الأولى، وفي العمق أيضا، مسارا طويلا وصعبا، ويحتاج إلى إدارة حرجة للتاريخ بالمعنى الحقيقي للكلمة. ويبدو للوهلة الأولى أن فرص فشله أكثر من نجاحه، والأخيرة غير مستحيلة. المسار غير الإجباري يعني مغادرة الفكر الذي صاغ "جاهلية القرن العشرين" واليقين الذي صاغ "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" إلى تنوير إصلاحي جديد يدير مرحلة حرجة مع التاريخ والذات والآخرين، يبدأ بكسر احتكار الحل، ويدرك أن الجميع شركاء في الحلول.

التعليق