عيسى الشعيبي

شمس ميدان التحرير

تم نشره في الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

كان الأسبوع المنصرم أسبوعاً عربياً حافلاً بجملة من الأحداث الفارقة والوقائع المفصلية في أكثر من بلد وعلى أكثر من صعيد، حيث كان كل واحد من هذه التطورات النوعية كافياً بمفرده لاستقطاب جل الاهتمامات، وتصدر العناوين ومقدمات نشرات الأخبار، فما بالك وقد تزاحمت جميعها في غضون بضعة أيام لنيل أنصبتها العادلة من رقعة الرأي العام، الموزع أصلاً بين سلسلة من الهموم والأفضليات المتفاوتة لدى كل بلد وكل دار.
فمن الزيارة الملكية التاريخية إلى رام الله التي لم تنجل بعد عن أسرارها المخبوءة إلى قادم الأيام، إلى مفاجأة القبض على سيف القذافي وتشكيل أول حكومة ليبية وقعت على الفور في وهدة الخلافات، إلى عبور الأزمة اليمنية نفق استعصاء التوقيع على المبادرة الخليجية، ثم إلى مخرجات لجنة تقصي الحقائق المستقلة في البحرين عما جرى في دوار اللؤلؤة، وأخيراً اجتماعات وزراء الخارجية العرب الخاصة بالملف السوري الذاهب إلى التدويل عما قريب.
في غمرة هذه التطورات العاصفة، والتحولات المقدر لها أن تفضي، كلا على حدة، إلى تداعيات تستحق أعمق المناقشات، كانت الوقائع السورية الدامية تنزل عن عرشها من على شاشات التلفزيون وقمة السجالات، لتتقاسم وكل هذه المتغيرات صدارة الاهتمامات، التي ظلت توزع انتباه المراقبين والمتابعين بين مختلف العواصم العربية، وتلقي مزيداً من الظلال الداكنة على شتى التطورات العربية الأخرى، بما في ذلك لقاء المصالحة بين فتح وحماس يوم أمس.
وأحسب أن مرد انزياح كل هذه الأحداث إلى تخوم الظلال، يعود إلى استرداد ميدان التحرير في القاهرة مكانته المميزة تقليدياً في وسائل الإعلام، وانفتاح المشهد المصري على تطورات ساخنة ومتسارعة تحبس الأنفاس، حيث بدا الحدث المصري بوزنه الكبير ومضاعفاته الكبرى على المحيط المجاور، وكأنه الشمس التي سطعت فجأة بأضوائها المبهرة، فحجبت الأنظار على نحو تلقائي عن سائر النجوم التي كانت تتلألأ من قبل في كبد السماء.
وليس من شك في أن أكثر الذين تضرروا من جاذبية ميدان التحرير لكل هذه الأضواء التي تخطف الأبصار والعقول، وتستدرج شتى التحسبات، كانوا الثوار السوريين ودماء الفتيات والفتية المغدورين في حمص وحماة وإدلب ودرعا وغيرها من ميادين المواجهات مع نظام استبدادي وجد أن الفرصة باتت سانحة أكثر من ذي قبل للإيغال عميقاً في حيوات أناس لم يكفوا عن هتافاتهم للحرية، حتى لا نقول للمضي أبعد فأبعد في استثمار تحول عدسات المصورين جزئياً عن تلك الارتكابات الوحشية بحق الأبرياء.
وقد أعاد هذا التعتيم الإعلامي غير المقصود لذاته، لكنه المتزامن مع اشتداد موجة القتل والتصفيات البشعة في الديار الشامية، إلى ذاكرة العرب الجماعية عدداً من الاعتداءات والاجتياحات المشابهة التي كانت تقدم عليها إسرائيل في توقيتات مختارة بعناية، مثل دورة الألعاب الأولمبية أو مباريات كأس العالم، أو أعياد الميلاد، حيث تنصرف الاهتمامات العامة، لاسيما في الغرب، بعيداً عما يبدو في نظر هؤلاء وأولئك تفصيلاً مزعجاً، لكنه لا يحظى بالأولوية الأولى على سلم انشغالات هؤلاء.
وهكذا، وفيما تستمر وقائع ميدان التحرير، ذي الرمزية الباذخة في وجدان ملايين العرب ووعي المصريين، تتوالى ملء الأبصار والأسماع، يمضي اليمنيون والسوريون والليبيون والفلسطينيون واللبنانيون وغيرهم من العرب، نحو مصائر غامضة وأقدار تبعث على الإشفاق، وكأنهم شياه علقت، كل شاه من عرقوبها، في مسالخ تاريخية متفرقة، وردهات مسلخ فارهة، فيما تواصل شمس ميدان التحرير سطوعها القوي من وراء غيوم السياسات الإقليمية المتدافعة، حاجبة الأبصار ولو مؤقتاً عما يجري هنا وهنالك وهناك.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق