استمرار الدولة أم استمرار الثورة؟

تم نشره في الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

استُقبلت الثورات العربية بإيجابية وترحاب شعبي، لأنها ثورات على الظلم والفساد والتوريث والإقصاء، وتم النظر إليها على اعتبار أنها صحوة مجتمعية عربية لشعوب غابت عنها العدالة واستباحتها نخب ظالمة ألهت نفسها وادعت الإلهام. لكن للثورات حدودا وأهدافا، وعليها مسؤوليات وواجبات، وهي وسيلة لا غاية بحد ذاتها، يجب أن تنتهي بعد أن تحقق مبتغاها الأوضح والأهم، وبئس هي إن كانت ستجّر مجتمعاتها للفوضى أو كانت ستقوم باستبدال الديكتاتور العلماني بآخر ديني أو فوضوي يصلح للتخطيط للثورات وإدارتها لا إدارة الدول ومستقبل الشعوب.
الثورات العربية إن كانت ستطيح بمؤسسات بلادها وتستهدف الاستقرار بحق أو بغير حق، فهي ليست إلا حركات فوضى رعناء لا تعي أن المطلوب منها وهدفها الأسمى هو إيقاف الديكتاتورية المستبدة والتهيئة لأسلوب حكم رشيد فيه من التداول والمساءلة ما يحفظ للشعوب مقدراتها ويضعها على طريق التقدم والنماء بعد أن كانت البلاد مزارع للحكام الملهمين.
ما يحدث في مصر مقلق، ونخشى من ديكتاتورية الحركات الشبابية التي تبدو في كثير من الأحيان تغالي في ثوريتها، ونرى أنها لا تقدّر بالضرورة أهمية الحفاظ على المنجز الذي حققته بتغيير رأس النظام. وهي تعكف، عن حسن نوايا ربما، إلى زج مصر في حالة من الفوضى اللامسؤولة التي قد تهيئ لديكتاتورية جديدة ستكون مدعومة من المصريين إذا ما كانت ستجلب الأمن والأمان.
ويتضح من مراقبة المشهد المصري أن وسائل التواصل، وربما منسوب الثقة بين المجلس العسكري الحاكم والحركات السياسية المطالبة بالتغيير السريع ضعيفة؛ فهي لم تحقق الحد الأدنى من النجاح في إقناع قادة الثورة بصدقية وجدية برنامج التحول السياسي، رغم أن خريطة التحول السياسي في مصر تبدو مقنعة لكثير من المراقبين من الخارج. فقد تم تعديل الدستور في زمن قياسي، والانتخابات التشريعية والرئاسية باتت ذات تواريخ معلنة. ولذلك، فالتصعيد الثوري الآن غير مفهوم، وكان يمكن قبوله إذا ما ألغيت الانتخابات أو أجلت، أما الآن فهذا التصعيد يصب في خانة ديكتاتورية الثورة التي قد تكون أكثر إخافة وديكتاتورية من النظام السابق.
النموذج التونسي حقق نجاحات أكثر في منهج التحول السياسي، والخوف عليه ليس من ديكتاتورية الشباب أو الثورة بل من أن ينزلق حزب الأغلبية الإسلامي صاحب الأغلبية إلى التفرد والتعسف باستخدام قواه السياسية. فإن فعل، يكون قد بدد مدنية الثورة التونسية وأدخلها في نفق الظلم الثيولوجي. ما يقوله راشد الغنوشي مريح ومهم، ولكن ما يقوله من هم حول الغنوشي يدلل على تفشي خطاب سياسي إسلامي لا يتماهى بالضرورة مع الحاكمية الرشيدة أو العقلانية السياسية الضرورية للدول أو قبول راسخ للتعددية.
مباركة هي الثورات التي قامت لوأد الظلم، ولكنها مدانة إذا ما أطاحت بمؤسسات دولها وأمنها، وآثرت الثورة واعتبرتها الهدف وليس الوسيلة للوصول إلى مجتمع مدني تعددي، فيه من العدالة والمساءلة ما يكفي لمد النخب الحاكمة الجديدة بالشرعية التي فقدها مَن قبلهم.

mohammed.momani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثورات مباركة (lisa ann)

    الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    هذه الثورات مباركة و لا يضر اذا زادت اكثر من الحد المطلوب لان الشعوب العربية بقيت تحت الظلم عقودا مديدة و بالتالي كانت هذه الثورات تنفيسا لها عن غيض كبير تجمع كل هذه العقود المديدة و بالتالي علينا نعذرها مهما بلغت درجة الفوضى فعلينا ان نراعي حجم كبت شعوبنا العربية الاسلامية و التي تمر في مخاض عسير جدا في هذه الفترة لظهور جديد الى العالم فهي عملية ولادة جديدا للمنطقة كلها