د.باسم الطويسي

دولة الفقراء: من يدفع الثمن

تم نشره في الأحد 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

لا ينقص ولا يقدم ولا يؤخر ربط الحراك الشعبي بالأوضاع الاقتصادية للناس، ومن المؤسف الاستهانة بعناوين حركة الناس في الشارع تحت مبررات هذا العنوان، ونحن نلاحظ كيف تطور الوعي المحلي واستطاع ان يلُبس هذه الحركة أغطية سياسية لها خطابها ولغتها العميقة، ومنح الحياة السياسية معاني أكثر قوة ومعافاة حينما كسر الاحتكار والتفرد.
  سوقت موجة إعادة الهيكلة والخصخصة التي سميت إصلاحات اقتصادية منذ منتصف التسعينيات بمبررات مجتمعية، وكثيرا ما اتكأت تلك الممارسات في خطابها السياسي على أحوال القواعد الاجتماعية، في حين كان أول من دفع ثمنها الفقراء حينما خلقت كما هو معروف المزيد من الإفقار والفساد وتحلل الطبقة الوسطى العمود الفقري للدولة. السؤال اليوم كيف يبدو خطاب موجة الإصلاح السياسي التي وصلت أعلى سقف في مطالبها منذ عشرين عاما في تسويق مقولاتها للفقراء، هل نكتشف بعد حين أن عاصفة مكافحة الفساد الراهنة مجرد معركة كسر عظم بين نخب ومراكز قوى تدار باسم الفقراء.
هل هو قدر تاريخي أن يبقى الفقراء هم من يدفع ثمن التغيير في كل مرحلة دون أن يحصلوا على مقابل عادل، وهل تبقى المفارقة المؤلمة قائمة دوما بين من يأتي التغيير باسمهم وبين من يقطف ثماره؟ هذا يعني نظريا ان نعيد تعريف مفهوم المشاركة السياسية في الحالة الاردنية وذلك وفق منظور أكثر نزاهة وعدالة.
اتسمت موجة الديمقراطية الثالثة التي ارتبطت بصعود موجة الليبرالية الاقتصادية بتسويق سلسلة من الاساطير على مستوى العالم، أثبتت فشلها محليا في الاردن كما هو الحال عالميا؛ اولا: المشاركة الانتخابية وهل تعبر بالفعل عن مشاركة حقيقية، تمكن الناس من القوة الحقيقية. هل مشاركة الارياف وازدحامهم على صناديق الانتخابات مكنتهم سياسيا. ثانيا: قوة المجتمع المدني وانتشاره وقدرته في الوصول الى الناس، وهل بالفعل عوض المجتمع المدني بمؤسساته وجمعياته وشبكات ارتباطاته الخارجية والداخلية مكان دور الدولة الاجتماعي،  ثالثا: هل تحرير الإعلام الذي اكتفى بتحرير شكلي للملكية مكّن الفقراء والقواعد الاجتماعية من الوصول إلى منابر حرة تعبر عن مطالبهم ومصالحهم أو زاد من اغتراب الطبقة الوسطى والفقراء الذين باتوا مجرد اداة سياسية في الصراعات بين مراكز القوى التي توظفهم حسب مصالحها تحت عنوان الأغلبية الصامتة، ولأنها صامتة فكل من تلك المراكز يستنطقهم كيفما يشاء؟ رابعا: هل عمل تحرير الدولة من وظائفها الاجتماعية وتحولها لدور المنظم إلى المزيد من الرشد والحاكمية كما روج أو زاد ذلك من الفساد والمزيد من احتكار السلطة والثروة معا التي بدت احيانا وكأننا امام قطعان من العصابات العابرة للمؤسسات العامة وللشركات معا؟
لأن الفقراء مهمشون ولا يتمتعون بكامل العضوية في الجماعة، ولديهم إحساس عميق بالحرمان من النفوذ والسلطة، وعدم الشعور بالمشاركة في رسم السياسات وصنع القرار، فان الكثير من الفرضيات النظرية التي تصاغ في تفسير ظاهرة انتشارهم في الشوارع بأنه ظاهرة شكلية لا يوجد لها عمق في الممارسة السياسية تحتاج الى مراجعة جذرية.
الأمر السائد تفسره المعادلة المقابلة والتي تقدر أنه ما دامت القوة السياسية موزعة بصورة غير عادلة، والأمر ينسحب تماما على توزيع القوة الاقتصادية، فان النتيجة أن مؤسسات الدولة تعمل بطريقة لا تخدم الفقراء، ولا تخلق الجسور التنموية التي تمكن المجتمع من العبور السليم والمعافى من العوز والفاقة والتهميش والحرمان. الأمر الأكثر حرجا وخطورة يتمثل في تزييف توزيع القوة السياسية، حينها يكتشف الفقراء أنهم خرجوا بدون السياسة ولا الثروة.

التعليق