محمد برهومة

انفضاح "العلمانويّة"

تم نشره في الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

ليس خالياً من الدلالات والإيحاءات أن يكون من أعلن عن تهديد أوروبا بعمليات انتحارية هو مفتي سورية وليس شخصا آخر. وليس بلا معنى أن يعلن المفتي نفسه أن الرئيس بشار الأسد يريد تسليم السلطة والعودة إلى ممارسة مهنة طب العيون!
إنّ إحدى الخزعبلات التي انطلت لسنوات على الدول الغربية أن نظام الأسد نظام علماني، وأن بديله "الإخوان المسلمون" والحرب الأهلية وكل ما يهدد إسرائيل. ولافتة البضاعة التي دافع بها زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي عن حكمهم البائد حتى الرمق الأخير.. ويدافع عنها اليوم بشار الأسد وعلي عبدالله صالح.. أن "الاستبداد أرحم من تخلّف الشعوب ووحشيتها وحروبها الأهلية ووصول الإسلاميين للسلطة". وهذه الرسالة موجّهة، عبثا، إلى الغرب على المستوى الخارجي، وفي الداخل إلى الأقليات وأبناء الطبقة الوسطى في المدن، وإلى مثقفين هم أقرب إلى العلمانوية منهم إلى العلمانية الحقيقية حين يفضّلون التحالف مع أنظمة ديكتاتورية على أن يقبلوا بوصول إسلاميّ إلى السلطة، حتى لو كان ذلك قد تمّ بطريقة سلمية وديمقراطية وعبر انتخابات شعبية نزيهة!
هؤلاء المستبدون غلّفوا ديكتاتوريتهم بحُجُبٍ روّجت بأن الشعوب أكثر تشددا من الأنظمة التي يديرونها والحكومات التي يشكّلونها، وأنهم أكثر انفتاحا وحداثة من هذه الشعوب التي لم تنضج بعد، ولم تتهيأ للديمقراطية وتقاليدها ولم تتشرب ثقافتها! ولست أدري كيف يلمس نور الشمس من أُجبر على العيش في القبو طيلة حياته، وكيف يتنسم الهواء العليل من سُدّت النوافد والأبواب في وجهه!
الاستبداد العربي هو الذي تحالف مع مثقفين علمانويين نظّروا كثيرا إلى أنّ التخلف في العالم العربي بنية عقلية وفكرية وثقافية مغلقة غير قابلة للاختراق أو التفكيك والإصلاح. واليوم يجيء "الربيع العربي" ليعطي بارقة أمل في أنه سيكنس هذه الخزعبلات، وينتج واقعاّ أفضل يؤمن بالإنسان العربي ويثق بجيناته وبنيته العقلية التي منعها الاستبداد منذ زمن بعيد من التحرر والإبداع. هذا التقدير مهم جدا إعلانه، حتى ولو كنّا نؤكد باستمرار أنه ما يزال هناك الكثير الذي يتطلب عمله ومعالجته كي يكون "الربيع العربي" اسما على مسمى.
ليس "الربيع العربي" ثورة على الاستبداد والقمع والظلم والمهانة فقط، بل هو أيضا ثورة ضد أنظمة علمانوية؛ أي علمانية قِشرية مزعومة وسطحية وسلبية ومفروضة بالقوة. أنظمة لا تحترم شعوبها ولم تأخذ من العلمانية الحقيقية حرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام والصحافة واحترام الإنسان والتزام الحياد أمام مكونات المجتمع جميعها والتعاطي معها على قدم المساواة وفي إطار رابطة المواطنة والمساواة الكاملة أمام القانون. إنها أنظمة علمانوية لم تؤمن بحق التظاهر، ولم تُجر يوماً انتخابات حقيقية. وهي مجرد سلطات غاشمة جمعت القمع والفساد وتبديد الثروات والفشل في التنمية الاقتصادية والسياسية على حد سواء.
قدرة الإنسان العربي على اكتشاف الزيف أصبحت مع "الربيع العربي" أكثر فعالية، وحساسيته صارت أكثر دقة مع بائعي الشعارات والمتاجرين بـ"الوطنية" و"الممانعة". صار الإنسان العربي يعرف أن الديكتاتور هو هو، سواء أكان معاديا للدين أم مغلفا استبداده بشعارات قومية أو وطنية أم موظِفاً المفتين والسلك المشيخي لإخفاء دمويته وكرهه للحرية.
أليس مفعماً بالحسرة أن لا نعرف، كما يقول الكاتب اللبناني عباس بيضون، إلى الآن أين هي أرصدة البترول الليبية وباسم من كان يباع البترول الليبي، وأن لا نعرف حتى الآن أين طار الذهب التونسي، وأين طارت المليارات المصرية والمليارات العراقية، وكم هي مليارات عائلة الأسد خارج سورية؟
هل ننتظر انفضاحا لهذه الأنظمة العلمانوية أكثر من هذا كله؟ أليس هذا الانفضاح هو إحدى بركات العام 2011 الذي دخل التاريخ العربي من أوسع أبوابه؟!

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من اهم ممارسات الانظمية القمعية الفاسدة (د. هاني عبد الحميد)

    الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    انها كادت تقنع العرب انفسهم ان العالم العربي صحراء مقفرة خالية من المواهب والكفاءات البشرية الواعدة وان على الجميع التعاونن معهم اتقاء للطوفان. واذا بشمس الثورات العربية تبزغ علينا من جديد ويطل علينا من مختلف الفضائيات العربية والدولية شباب مؤهلون وكهول محنكون تكاد لا تجد لهم نظير على هذه البسيطة وتنهار الاطروحات البائسةالتى شغل بها النظام الفاسق نفسه والعالم بغير وجه حق عقودا طويلة وتتعرى الانظمه المهترئة لتبدوا سوآتها بل جرائمها لكل ذي بصيرة. وفي انهيار النظام القمعى الفاسد خطوة اساسية الى الامام لوقف تدهور احوال الامة في كافة المجالات ثم من بعد ذلك اعادة البناء وينطلب ه1ا الامر الجهود الحثيثة والمتواصلة من الجميع من اقصى اليسار الى اقصى اليمين.
  • »مقال ذكي لكاتب ألمعي (د. بشار العواملة)

    الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2011.
    مقال ذكي لكاتب ألمعي أحرص على قراءة كل ما يكتبه سواء في الغد أو في الحياة. فهو يحلل بعمق، ويفتح أمام القراء آفاق للتفكير، لانه لا يتقوقع خلف افكاره. مقالات برهومة من المقالات القليلة التي اقرؤها بتلذذ