هل تخفض إعادة توزيع الدخل الفقر؟

تم نشره في الجمعة 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً

جاغديش باغواتي *

هناك الكثير من اليساريين المتشككين بفكرة أن النمو الاقتصادي يساعد على تخفيض الفقر في الدول النامية. فهم يجادلون بأن السياسات التي تعتمد على النمو تسعى لزيادة الناتج المحلي الإجمالي وليس لمكافحة الفقر، وأن إعادة التوزيع هي المفتاح للتوصل إلى تخفيض لنسبة الفقر. لكن لا توجد أدلة تدعم هذه الأراء.
لقد أدرك الاقتصاديون المختصون في التنمية منذ الخمسينيات أن النمو في الناتج المحلي الإجمالي ليس مرتبطا بزيادة الرفاهية. لكن حتى قبل الاستقلال، فإن القادة الهنود اعتقدوا أن النمو كان ضروريا من أجل تخفيض الفقر وزيادة الرفاهية الاجتماعية. فمن الناحية الاقتصادية، كان النمو أداة وليس هدفا؛ أي الوسيلة التي يتم استخدامها من أجل تحقيق الأهداف الحقيقية، وهي تخفيض الفقر والتقدم الاجتماعي للجماهير.
لقد ذكرت قبل ربع قرن أن هناك طريقتين مختلفتين من أجل أن يحقق النمو الاقتصادي هذه الغاية: أولا، النمو سوف يجعل الفقراء يعملون في وظائف تدر عليهم الدخل، ما سيساعد في انتشالهم من الفقر. والدخول الأعلى سوف تمكنهم من زيادة إنفاقهم الشخصي على التعليم والصحة (وهذا ما كان يحصل في الهند خلال الفترة الأخيرة من النمو المتسارع).
ثانيا، إن النمو يزيد من إيرادات الدولة. وهذا يعني أن الحكومة بإمكانها صرف المزيد على الصحة والتعليم للفقراء. بالطبع، لا تصرف دولة ما بالضرورة أكثر على مثل هذه الأشياء فقط لأنها تمكنت من زيادة الدخل، وحتى لو عملت ذلك فإن البرامج التي تختار تمويلها يمكن أن لا تكون فعالة.
إن المتشككين، وفي تجاهل متعمد لحقيقة أن النموذج المبني على النمو قد أثبت نفسه مرارا وتكرارا، يدعون إلى نموذج نمو بديل "لإعادة التوزيع"، يعتقدون أنه سيكون له تأثير أكبر على تخفيض الفقر. إن منتقدي نموذج النمو يجادلون أنه من الضروري إعادة توزيع الدخل والثروة بالسرعة الممكنة، وهؤلاء يدعون أن ولاية كيرالا الهندية وبنغلاديش هي أمثلة على أن إعادة التوزيع وليس النمو قد أدت إلى نتائج أفضل للفقراء مقارنة ببقية الهند. لكن طبقا لما كتبه الاقتصادي في جامعة كولومبيا ارفيند باناغاريا مؤخرا، فإن الإحصاءات الاجتماعية في كيرالا كانت أفضل من بقية البلاد وحتى قبل أن تؤسس لنموذج إعادة التوزيع. لقد تمكنت كيرالا من جني مكاسب كبيرة من التحويلات المرسلة من عمالها المهاجرين في الشرق الأوسط، وهذا عامل ليس له علاقة بسياسة إعادة التوزيع. أما بالنسبة لبنغلاديش، فإن مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة، وهو مصدر لا يخلو من إشكاليات، يظهر أنها تحتل مركزا أدنى من الهند في الترتيب.
إن إعادة التوزيع في بلدان فقيرة جدا يتجاوز فيها عدد الفقراء الأغنياء بنسبة كبيرة سوف يزيد استهلاك الفقراء بشكل بسيط (ربما رغيف من خبز التشاباتي يوميا)، والزيادة لن تكون مستدامة في سياق الدخل المحدود والزيادة العالية في النمو السكاني، أي باختصار فإنه بالنسبة لمعظم الدول النامية، فإن النمو هو الاستراتيجية الرئيسة للتنمية الشاملة، أي التنمية التي تضم أكثر الناس فقرا وتهميشا في المجتمع.
لكن الاستدامة السياسية لنموذج النمو أولا يتطلب جهودا رمزية ومادية. وبينما النمو يفيد الفقراء، فإن الأغنياء عادة ما يستفيدون بشكل غير متناسب. وعليه، من أجل أن نبقي الفقراء ملتزمين بالنظام بينما تتم إثارة طموحاتهم الاقتصادية، فإن من الأفضل أن يقلل الأغنياء من استهلاكهم الظاهر جليا للعيان.
إن الفقراء يحتاجون في الوقت نفسه، وهو الموضوع الأكثر أهمية، إلى أن يتمكنوا من الوصول للتعليم بشكل أسهل، وذلك حتى يتمكنوا من زيادة فرصهم الاقتصادية وقدرتهم على الارتقاء اجتماعيا. "إن إسرافا أقل والمزيد من إمكانية الوصول" يجب أن يشكل المبدأ الذي تسترشد به سياسة التنمية.
* أستاذ الاقتصاد والقانون في جامعة كولومبيا.
خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنيديكيت.

التعليق