ولادة مصدر للطاقة

تم نشره في الأحد 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 11:38 مـساءً

رونالد كوبرز*

تمكنت ألمانيا مؤخرا من تحقيق النسبة المستهدفة من استخدام الطاقة المتجددة، وهي20%؛ أي إنها تمكنت من تحقيق التزامها للاتحاد الأوروبي قبل الموعد المحدد بثماني سنوات. وكمكسب إضافي، فإن العالم سوف يشكر ألمانيا في نهاية العقد على توفر الطاقة الشمسية بأسعار معقولة، ليس لأنه قد تم اختراع التقنية هناك، ولكن لأن مواطنيها قد دفعوا تكلفة المرحلة الحيوية المتعلقة بتخفيض النفقات، وذلك عن طريق توفير سوق كبيرة.
إن قيام ألمانيا لعقد من الزمان بدعم تقنية تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية قد أدى إلى تخفيض تكلفة هذه التقنية بشكل متسارع. وسوف تكون هذه التقنية بحلول العام 2015 تجارية بالكامل بالنسبة لدول مشمسة مثل جنوب أفريقيا أو اليونان أو المكسيك، وبعد ذلك بفترة قصيرة لألمانيا نفسها، علما أنه لولا سياسة ألمانيا للطاقة فإن هذا الانخفاض في التكلفة كان ليأخذ وقتا أطول بكثير من أجل تحققه.
لكن سياسة ألمانيا هي ليست ببساطة شكل من أشكال الإيثار، بل هي مزيج من السياسة الصناعية السليمة وقبول مسؤولية ألمانيا في المساهمة في تحقيق أهداف الاتحاد الأوروبي من أجل تخفيض استخدام الكربون بحلول العام 2050. وبالإمكان رواية القصة على النحو التالي أحيانا: "لقد قامت ألمانيا بتقديم الدعم لتقنية تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية لسنوات من خلال منح أسعار تفضيلية للغاية لمنتجي الطاقة المتجددة. وكانت النتيجة انتشار الألواح الشمسية -العديد منها مستورد من الصين- في بلد فيه القليل من الشمس ومائة ألف وظيفة مكلفة.
لقد كانت التكلفة عالية، وهي تكلفة أعلى حتى من أربعة مليارات يورو، وهو مبلغ الدعم السنوي الذي تقوم ألمانيا بدفعه للصناعة النووية لديها، ناهيك عن مبلغ ملياري يورو للفحم. لكن القصص عادة ما تعكس وجهة نظر من يرويها. والآن إليكم النسخة البديلة للقصة:
"لقد قامت ألمانيا، بعد أن رأت أن التقنيات الجديدة تتطلب الدعم من أجل أن تكون تنافسية، بابتكار نظام يعتمد على التقليل من الأسعار التفضيلية الممنوحة لمنتجي الطاقة المتجددة. وعندما تصبح تكلفة الطاقة الشمسية مماثلة لتكلفة مصادر الطاقة الأخرى، سيكون لدى ألمانيا بالفعل صناعة منتشرة وفي وضع جيد، ما يعني أن ألمانيا قامت بتقديم مساهمة جوهرية على مستوى العالم ،وذلك بتحمل التكلفة عوضا عن الآخرين".
إن البعض يجادل بأن الحكومات لا تلعب أي دور في اختيار الرابحين والخاسرين في الاقتصاد، وبأن السوق هي التي تختار التقنيات التي تتقدم في سباق التخلي عن استخدام الكربون في نظام الطاقة. لكن السوق يمكن أن تنجح فقط في حالة وجود شركات فردية كبيرة لدرجة أن بإمكانها تمويل المرحلة المبكرة التجريبية لتقنية جديدة وذلك حتى تصبح تنافسية (ومن ثم ربحية).
إن مستوى نظام الطاقة وتدرجه، والوقت الكبير المطلوب لتطوير التقنيات الجديدة، يعني أن أي تغيير كبير لا يتناسب مع المصالح القصيرة المدى للمساهمين. وعلى أقل تقدير، فإن المقاربة المبنية على أساس السوق تتطلب تسعير الكربون، ووقف الدعم لبعض المصادر القديمة للطاقة، وكلاهما غير ممكن من الناحية السياسية. ولكن وحتى مع التكلفة العالية للكربون، فإن من غير المرجح أن تتمكن السوق بجهودها الذاتية من إيجاد طاقة منخفضة الكربون. والسبب هو أن تكلفة البضائع والخدمات، بما في ذلك الطاقة منخفضة الكربون، يتم تخفيضها بطريقتين، هما: الأبحاث، مثل تقنية الغشاء الرقيق لاستبدال ألواح الطاقة الشمسية المصنوعة من السيليكون والتحسينات المتصاعدة في التصميم أو الجانب اللوجستي أو العمليات بينما يتم تطبيق التقنيات. لقد انخفضت تكلفة الألواح الشمسية بمقدار 10-20% عن كل مضاعفة لحجم التصنيع، أي إنه كلما زاد الانتاج كلما أصحبت التقنية أرخص.
هذا ما يتجاهله المسؤولون عندنا. وكما قال رئيس الوزراء الهولندي مارك روتي: "يتم تشغيل توربينات الهواء بمبالغ الدعم". لقد أظهرت ألمانيا أن مبالغ الدعم المتناقصة والمحددة بزمن معين ضرورية لجعل أي مصدر جديد للطاقة تنافسيا مع مصدر الطاقة القديم. لكن نظرا إلى أن الفوائد تتزايد على المستوى الدولي، فإنه من الصعب تسويق ذلك عند وجود أجنده محلية ضيقة، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أنه يمكن أن تكون هناك حاجة لعقد من الدعم.
إن ألمانيا في واقع الأمر ليست الوحيدة التي قامت بإطلاق تقنية طاقة جديدة؛ فالبرازيل تمكنت بنجاح من إطلاق صناعة استخراج الإيثانول من قصب السكر، كما أن للدنمارك قصب السبق فيما يتعلق بطاقة الرياح على اليابسة. وتركيز بريطانيا الكبير على طاقة الرياح في المياه يصبح لها معنى آخر عندما يتم النظر إليها كمساهمة متوازنة في عناصر الأرض.
طبقا لأرقام وكالة الطاقة الدولية، فإن طاقة الرياح في المياه لن تكون تنافسية حتى أوائل العام 2020. ولكن حجم الخطط البريطانية قد يغير ذلك، مما يجعلها أكثر تنافسية في وقت أقرب بكثير، بالإضافة إلى إعطاء هذه الصناعة في بريطانيا قصب السبق في هذا المجال لغايات المنافسة. والفوائد سوف تتعدى بريطانيا. وكما سوف تستفيد بريطانيا من الاندفاع الألماني في مجال الطاقة الشمسية، فإن ألمانيا سوف تجني فوائد المجهود البريطاني.
إن هذا لا ينجح دائما؛ فخطة ميسمر في فرنسا العام 1973 إدت إلى طاقة نووية آمنة ورخيصة للجميع، ولكن الأمور اختلفت، والطاقة النووية أصبحت بشكل متزايد خيارا غير جذاب. وهذا هو أساس التعلم؛ فأحيانا يعمل وأحيانا لا يعمل. إن الفشل الحقيقي هو عدم المحاولة مطلقا والاستغلال المجاني لمجهودات الآخرين.
عندما يوافق أحدهم على أن يتحمل تكاليف المرحلة المبكرة لنشر الطاقة الجديدة، فإن الخطوة القادمة هو اختيار مجال يتمتع فيه بخبرة راسخة. لقد تمكنت بريطانيا من استخدام أحواض السفن لديها ومهاراتها الهندسية من أجل استغلال الفرصة المتمثلة في طاقة الهواء في المياه. وبنفس الطريقة، فإن خبرة البرازيل في مجال الزراعة ومناخها المناسب، وليس فقط سياستها الحصيفة، هي التي جعلتها الدولة القائدة في مجال وقود الإيثانول.
إن العديد من تقنيات الطاقة الأخرى تنتظر أبطالا آخرين من أجل تحقيق إمكاناتها كاملة، وهذه تشمل الطاقة الشمسية المركزة، واحتباس وتخزين الكربون، والسيارات الكهربائية بدون سائق، وشبكات التيار الكهربائي المباشر، والمباني التي لا تساهم في انبعاثات الكربون، بالإضافة إلى الوقود الحيوي-الجيل الثاني.
يجب على الحكومات أن تتحقق من المزايا والمشاكل المحتملة لكل من هذه التقنيات، وأن تقوم بتقييم جوانب القوة لديها واتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى من أجل تبوئ دور قيادي فيما يتعلق بواحدة أو اكثر من تلك التقنيات. وفي وقت تتزايد فيه المصاعب الاقتصادية، فإن اتخاذ مثل تلك المخاطر لن يوفر الوظائف فحسب، بل سوف يوفر إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة.


*زميل زائر في جامعة أكسفورد، وهو مسؤول سابق في شركة شل الملكية الهولندية.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق