أميركا تنقلب على اليونسكو

تم نشره في الجمعة 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2011. 02:00 صباحاً

ليس من قبيل "الخيال العلمي" أن تعترف منظمة دولية مرموقة مثل اليونسكو بدولة فلسطين، كما رأى سفير إسرائيل لدى المنظمة. ولا يمكن اعتبار ذلك الاعتراف غير منسجم مع توجهات العالم بشأن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أو حتى أذية لجهود السلام والتفاوض، فالمنطق يفضى إلى أن هذا الاعتراف ثمرة لتحرك فلسطيني مشروع لاستخدام أدوات العمل الدولي الشرعية من أجل إحقاق الدولة الفلسطينية، وهو تفاوض بحد ذاته كانت الغلبة فيه هذه المرة للفلسطينيين الذين ما كان يمكن لهم النجاح في التفاوض مع حكومة تثبت أنها حبيسة عقائديتها السياسية التي لا تفهم السلام ولا التفاوض. صحيح أن هذا الاعتراف لن يعني شيئا ميدانيا، لأن الدولة التي اعترفت بها اليونسكو ماتزال تحت الاحتلال الذي يقرر هو حقوق واستقلالية هذه الدولة، ولكن الأصح أن رمزية هذا الاعتراف وفحواه الدولي قد يشكلان بداية النهاية للاحتلال، وانطلاقة لمزيد من الاعترافات الدولية التي ستزداد إلى أن تفرض نفسها على العالم وعلى المحتل. الخيال العلمي والعملي هو في إجراءات إسرائيل الانتقامية، وقرار أميركا وقف دعمها المالي لليونسكو التي لا تبدو قرارات تحقق مصلحة أي من البلدين، ناهيك عن إظهارهما بصورة المستمر في الخروج عن الإجماعات الدولية.
الولايات المتحدة بدت بعد قرارها وقف تمويل المنظمة الدولية المعنية بالثقافة والتربية والعلوم وكأنها دولة عظمى غير قادرة على القيادة، ولا تمتلك رؤية تنفيذية لمواقفها المعلنة، وهي في هذه الحالة "حل الدولتين". بل وظهرت الولايات المتحدة وكأنها تنقلب على قوانين العمل السياسي الدولي الذي أسسته هي نفسها بعيد الحرب العالمية الثانية، والذي من ضمنه المنظمات الدولية التي تضطلع بتنظيم شؤون العالم، بدءا من شأن الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وانتهاء بشأن الثقافة والعلوم في العالم. منظمة اليونسكو وغيرها جزء من منظومة العمل الدولي التي ساهمت الولايات المتحدة في إنشائها وحمايتها وإكسابها المصداقية، وهي اليوم تنقلب عليها وتضعفها، ما يجعلنا نتساءل عن الحكمة السياسية التي وقفت خلف قرار إيقاف تمويل المنظمة الدولية.
قرار أميركا لا يبدو متماهيا مع مصلحتها الاستراتيجية، فقد أفقدها الكثير من المصداقية الإقليمية المضمحلة أصلا، ناهيك عن صورتها الدولية التي تظهر من خلالها دولة غير قادرة على إحقاق السلام، وهي في الوقت ذاته تقف بوجه كل جهد من شأنه إنجاح حل الدولتين. وما يجب أن يعيه العالم وأميركا أن حراك الاعتراف الدولي بفلسطين وإحقاق الدولة سيأخذ بعدا دوليا متصاعدا، وأن الفلسطينيين يخوضون معاركهم الدولية من خلال الشرعية الدولية وليس بما يتناقض معها، وهم فعلوا ذلك بسبب عجز أميركا عن الاضطلاع بمهام الوسيط القوي، وتسويف إسرائيل الذي استنفد صبر القيادة الفلسطينية.
إيقاف العمل الفلسطيني الدولي سيتأتى إذا ما كان هناك عملية سلام ذات معنى، وليس عرضا تفاوضيا فضفاضا يقدمه نتنياهو بدون مرجعيات وتحت نير الاستيطان!

[email protected]

التعليق