محمد برهومة

الإسلاميون.. وفرصة الفشل

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 03:00 صباحاً

إذا كان "الربيع العربي" حقيقةً وليس اسما مضلِلاً، فإنّ الشعوب العربية ينبغي أن تكون قد أصبحتْ مؤهلة للحيلولة دون أنْ يختطف حزب إسلامي أو غير إسلامي ثمار حراكها السياسي وثوراتها الميمونة على الأنظمة الفاسدة. وإذا كانت الشعوب العربية التي استطاعت الإطاحة بأنظمة في ذروة القمع والإجرام والفساد، غير قادرة على منع حزب إسلامي من إنتاج استبداد جديد باسم الدين، فإن هذا يعني أنها لم تصل بعدُ مرحلة الفِطام الفكري والرشد السياسي. والقائلون إن "الربيع العربي" يتحوّل -مع احتمالات وصول الإسلاميين إلى الحكم- إلى "شتاء قارس"، يمارسون شكلا من أشكال الديكتاتورية، حتى ولو كانت بعض مخاوفهم حقيقية بالفعل ولها ما يبررها.
ثمة فارق كبير بين أن يقول البعض "إن الإسلام السياسي سيبدو ممرا إجبارياً للتحولات الديمقراطية الجارية في العالم العربي؛ لأنّ القمع والاستبداد في الأنظمة العربية ترك الجامع في مواجهة القصر"، وبين أن يذهب كثيرون إلى أنّ حزب "النهضة" الإسلامي، مثلا، يتوافر، بعد فوزه الكبير في الانتخابات الأخيرة في تونس، على فرصة لإنتاج نموذج عربي في الممارسة الإسلامية، يوائم بين الحداثة والديمقراطية من جهة والفكر الإسلامي من جهة أخرى، على شاكلة تجربة "حزب العدالة والتنمية" التركي.
نجاح "النهضة" جاء بطريقة سلمية من خلال انتخابات حرّة ونزيهة، وهو بذلك يكتسب شرعية سياسية لا يمكن الجدل بشأنها. والإسلاميون جزء من المجتمعات العربية ولا يجوز استمرار التعامل معهم كـ"بعبع" أو "فزّاعة". وهم عنصر رئيسي مشارك في الثورات العربية، ولا يجوز التعاطي مع حقوقهم السياسية كمواطنين من الدرجة الثانية. وإذا كان عديدون يرون أن راشد الغنوشي يتوافر على إمكانات انفتاح كبيرة ظهرت في تصريحاته وكتبه وحواراته، فإن من المهم الآن اختباره واختبار حركته في مدى قدرتهم على تقديم أدلة وممارسات عملية تؤكد أنّ احترام الحريات الخاصة والعامة والالتزام الحقيقي باللعبة الديمقراطية هي أسس لا تتعارض مع الممارسة السياسية الإسلامية.
حرمان الإسلاميين من ممارسة السياسة يحوّلهم إلى ضحايا وأبطال، ويسبغ عليهم قدرات مبالغ فيها قد لا يكونون في الحقيقة يتوافرون عليها إذا ما مارسوا الحكم بالفعل.
وإذا كانت تجربة إيران و"طالبان" و"حماس".. تنطوي على تجارب مُرّة ومخاوف حقيقية من تكريس الاستبداد بالخصوم باسم الدين والتضييق على حقوقهم وأفكارهم وحرياتهم، فإن هذا لا يشفع للقول: "يجب منع أي إسلامي من الوصول إلى الحكم لأنه سيفعل مثلهم".
ليس الإسلاميون وحدهم من هم في دائرة الشك بالنسبة لاحترام الديمقراطية والحريات، فقد حكمت في منطقتنا أحزاب رفعت راية العلمانية واستبدت بشعوبها وظلمت وتجبرت وهي ترفع راية التقدم والحداثة. هذا يعني أن "الربيع العربي" الذي فضح هذه الأنظمة وأثبت أنها أبعد ما تكون عن العلمانية الحقيقية والتقدم، عليه أن يمارس الأمر ذاته مع الأحزاب الإسلامية التي قد تصل قريبا إلى الحكم، إن هي جاءت باستبداد ديني جديد بدلا من الاستبداد الذي رفع زوراً راية العلمانية والتحضّر.
المعايير في الحكم على من يصل إلى السلطة ينبغي أن تكون واحدة، ولا حاجة لصناعة أبطال وقديسين من الفراغ. وإذا كان الإسلاميون يقطفون الثمار اليوم لأنهم الأكثر تنظيما، فإن هذا مدعاة للمعتدلين والديمقراطيين الحقيقيين لأن ينظموا صفوفهم ويقنعوا الناس يخطابهم. وإعطاء الفرصة للإسلاميين سيجعل الناس قادرة على الحكم عليهم إن كانوا لا يملكون سوى الشعارات واستغلال الدين والتضييق باسمه على الناس و"تطفيش" المستثمرين، أم أنهم سيقدمون نماذج ناجحة في الإدارة العامة ومحاربة الفساد وتقليل نسب البطالة وتشجيع الاستثمار وغير ذلك.
إذا وصل الإسلاميون إلى الحكم بانتخابات نزيهة، فإن على ألدّ خصومهم أنْ يمنحوهم على الأقل فرصة للفشل!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فرص النجاح ومتطلباته (عصام)

    السبت 29 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    أعتقد بأن فرص النجاح لدى "النهضة" الاسلامي وغيره يعتمد على مجموعة من العوامل الحرجة، أبرزها: التوصل الى القيم الموضوعية/القطعية المستمدة من مصادر التشريع الاسلامي والتمييز الهام بين القطعيات (ام الكتاب) والظنيات (المتشابهات)، تطبيق المعرفة الاخلاقية الموضوعية بحكمة وبتدرج وبروح المشاركة والشورى، ادارة التنوع البشري وفقاً لمبدأ التعددية وقانون التدافع (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض)، وأخيراً التعامل مع "الظروف الأولية" غير المواتية بما فيها الازمات العالمية وانعكاساتها على الاداء المحلي.