النزاهة وحدها لا تكفي

تم نشره في الخميس 27 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً

لا نعرف إن كان يكفي أن يقود المطبخ الحكومي من الدوار الرابع وجه جديد لا يحمل الأجندات التي حملها سلفه ويتمتع بعقلية منفتحة تركز على معايير النزاهة لإخراج البلاد من إرث ثقيل من المشاكل المزمنة التي فاقت في حدتها الإدارة الحكومية السابقة.
ورغم أن تغيير الحكومة وشخص الرئيس واختيار قاض مرموق من خارج كنف البيروقراطية الحكومية، يزيل الكثير من الاحتقان والأجواء الصدامية التي خلفها سلفه تجاه بيئة الأعمال، ويبعث بطمأنينة كانت مفقودة لقطاع خاص يرفد الخزينة بإيرادات حيوية، غير أن ذلك لا يكفي أيضا.
فالمحك في إعادة ثقة قطاع خاص فاعل مكبل، كان أكبر ضحايا سياسات الجباية المفرطة في غياب الشفافية والعدالة التي تغاضت عن فاسدين من رجال الأعمال وعاقبت مستثمرين حقيقيين.
يجب أن تكون المواجهة صريحة وبحجم الأزمة الاقتصادية وتستجيب لضرورات شد الأحزمة بوصفها مدخلا للإصلاح والابتعاد عن نهج  كسب الشعبية لصرف الأنظار عن تمدد الإنفاق الحكومي.
 لم يعد ممكنا الاستهتار بتفاقم المديونية والعجز والتراخي أمام الآمال بمزيد من المعونات الخارجية، دون وقفة مع أنفسنا حتى نزيد إرث منطق الإعالة.
أكبر التحديات التي تواجه حكومة الخصاونة العودة لمسار الضبط المالي لإخراجنا من حالة الجمود والانكماش المتواصل الذي كاد يمر بأزمة محدقة قبل مجيء المساعدات السعودية لتوقفها.  
لا شك أن نزاهة وشفافية الإجراءات الحكومية التي تقوض الفئوية والمحسوبية التي استشرت في حقب مختلفة لحكومات متعاقبة، سيكون لها أثر كبير في استعادة الثقة التي تخبطت الإدارات الحكومية في زعزعتها.
إن التسييس المفرط الذي شاب الحديث عن السياسات الاقتصادية لأغراض كسب الشعبية، أضر كثيرا بالمناخ الاستثماري لانه لم يكن مطلوبا، بل كان ضارا في الاعتماد على موازنات الدولة لخلق مزيد من الوظائف الحكومية التي ترهق كاهل الخزينة وتضعف القدرة على الإنفاق الحكومي لخلق النمو.
ومن الطبيعي أن يواجه رئيس لم يخرج من كنف مدرسة رؤساء الوزراء السابقين وقضى سنوات طويلة في ردهات القضاء الدولي، عقبات كبيرة أمامه من قوى شد عكسي كثيرة، لن ترغب في إنجاح تجربة تتماشى مع مرحلة ربيع أردني لم يكتمل ويواجه مقاومة من مؤسسة محافظة متخندقة، لا ترغب في إصلاح ملموس يحقق آمال الشريحة العريضة من الاردنيين.
 لقد تكونت مصالح مجتمعية تحارب التغيير وتخندقت، وترى في أي جهد نحو إطلاق طاقات القطاع الخاص بمثابة حرب  لضربها وتقويض لمزاياها.
ويجب أن تعزز الحكومة الحالية روح المنافسة على أسس العدالة المجتمعية وتعمل في ذات الوقت على ضبط تغول الرأسماليين الجشعين وتفضيل قطاع خاص يعمل بشفافية على طبقة رجال الأعمال الفاسدين الذين عطلوا بتحالفهم مع البيروقراطية المنتفعة المنافسة.
 أمام الحكومة الجديدة تحديات لا تحصى لإعادة الثقة التي دمرتها سياسات إقصائية اتبعتها الحكومة السابقة، اسهمت في الجمود الذي نراه من حولنا وبالطبع تبقى المصارحة بحدة الأزمة المالية التي تعاني منها الدولة صمام الأمان، وخصوصا عندما تبدأ الدولة بالترشيد حتى تطالب الآخرين بوقف مسلسل المطالبات التي لا تنهي ولا يمكن أن يكون الاستقواء على الدولة حلا لها.
الحاجة ماسة للتفريق بين الابتزاز والمطالبات الحقة التي آن الأوان للتلفت إليها، ولكن ليس من الإنصاف أن يفرض أصحاب الأصوات العالية والثقل المجتمعي شروطهم والأغلبية الصامتة على الهامش في غياب سيادة القانون. 

التعليق