البلديات: الكلفة السياسية والاجتماعية

تم نشره في الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 12 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:51 صباحاً

يعلم الكثيرون من سيدفع ثمن الفوضى المنتظرة في أوضاع البلديات، ولكن لا أحد يجرؤ على وصف دقيق لسيناريوهات المستقبل القريب لحالة التفتت والتجزئة والتقسيم والانقسامات التي ستخضع لها المجتمعات المحلية في ضوء ميلاد أكثر من مائتي بلدية جديدة منتظرة، تُقسم اليوم على مشرط الولاءات الاجتماعية والقبلية أحيانا، ومصالح القوى الاجتماعية والاقتصادية أحيانا أخرى. يتم ذلك في ضوء حالة من الإرباك وغياب رؤية وطنية مدركة لحجم الأثمان السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تنتظرها البلاد جراء هذه الحالة؛ فقرار الدمج لا يشبه أبدا التقسيم وإعادة التجزئة.
الديمقراطية على مستوى المحليات تمثل أحد مفاتيح الحل التنموي في الأردن. وعلى قدر أهمية هذا الملف الذي تشكل البلديات واللامركزية عموده الفقري، تبدو خطورة أي خطوة غير ناضجة تتخذ على عجل أو وجل. كان خبراء يصفون فشل محاولات التحول الديمقراطي في اليمن بالقول إن اليمنيين تزوجوا الديمقراطية على عجل ليصحوا ويكتشفوا أن ديمقراطيتهم لم تكن أكثر من بندقية وقبيلة وقات الحكومة.
ثمة ظروف موضوعية تجعل من الاستعجال في طهو ملف البلديات وصفة غير سارة أبدا، أول ما تستدعي حالة الاحتقان ومشاعر النقمة وذكريات قريبة وبعيدة من العنف المحلي، وتطلعات ذات سقوف عالية الكل يعرف مصادرها. كل ذلك يجعل من الذهاب إلى الانتخابات البلدية في هذه الوضعية اختبارا محسوم النتائج في مصير الإصلاح وفي استعادة الثقة العامة، فما يزال أمام الحكومة بعض الوقت، ولا تعوزها الحكمة لإعادة النظر في التأجيل من أجل إنضاج هذا الاستحقاق.
نحتاج إلى تطوير أنموذج أردني يدمج بين الإصلاح السياسي والإصلاح التنموي، وفق صيغة تتجاوز مفهوم اللامركزية الإدارية بمضمونها التقليدي، وذلك بالانتقال نحو مفهوم الديمقراطية المحلية، أي الديمقراطية التي تمارسها المجتمعات المحلية على مستوى المحافظات، وتدير من خلالها مواردها المحلية بكفاءة وبرقابة محلية وتضمن من خلالها قدرات توزيعية عادلة ومستدامة، وتعيد توزيع أنماط القوة، وتعيد إنتاج النخب المحلية بأدوات ديمقراطية معاصرة، وتجعل من المشاركة المحلية أساس تحقيق المصالح وتحمل المسؤوليات. أمام الأردن فرصة مواتية للدمج بين نوايا اللامركزية الإدارية والديمقراطية المحلية ببُعديها السياسي والتنموي لتوفير أنموذج أردني خالص في الإصلاح، يدمج بين الإصلاحات السياسية والتنموية التي تبدأ من مستوى المحليات والبلديات وتأخذ وقتها في النضوج والرشد. ولعل هذه الصيغة هي الأكثر حظاً في القدرة على الإجابة عن جملة مشتركة من الأسئلة الأردنية القلقة وأهمها:
- الخروج من إرباك ملف الإصلاح السياسي الذي يدور حول نفسه منذ عقدين، وذلك بإنجاز خطوات عملية على الأرض تضمن عمقاً مجتمعياً حقيقياً توفره صيغة الديمقراطية المحلية.
- الخروج من الحلقة المفرغة للتنمية، حينما توفر الديمقراطية المحلية على مستوى المحافظات والألوية أدوات محلية لإدارة النفع العام، وتوفر ضمانات جديدة لعدالة التنمية وكفاءة إدارة الموارد وإعادة توطين المجتمعات المحلية، بل وتدشين مجتمعات عمرانية جديدة، الأمر الذي يصل إلى تقليص الفجوة والاختلالات التنموية الراهنة التي تشكل واحداً من مصادر تهديد الدولة الأردنية.
- الخروج من مأزق التكامل السياسي والاندماج الاجتماعي. فالديمقراطية المحلية توفر النموذج المطلوب لتحقيق المزيد من الاندماج بالدولة والتكامل في الوظائف والأدوار بين المحليات والدولة، وليس كما يبدو في صيغة اللامركزية التقليدية التي قد تسهم في نزع سيادة الدولة والتقليل من الالتفاف السياسي حولها.
- توفر الديمقراطية المحلية ضمانات حقيقية لحماية الاستقرار المحلي بمضامينه الاجتماعية والسياسية والأمنية. ولعل الدمج بين التنموي والسياسي في إدارة المحليات سوف يقدم حلولاً جديدة لعدد من الأزمات النامية والآخذة بالتفاقم على مستوى المحافظات، والتي تدل على اختلالات تنموية وأخرى قانونية تطل برأسها بتعبيرات أمنية مقلقة.
- توفر الديمقراطية المحلية حالة صحية بإعادة إنتاج النخب المحلية بالاستناد إلى الكفاءة والإنجاز، حينما يصاغ التنافس محلياً، والذي يتجاوز المناطق والجهويات ويعيد توطين معايير الكفاءة والإنجاز في وعي الناس وبما يلمسونه مباشرة في محلياتهم، وبالتالي مد النخبة على المستوى الوطني بدماء جديدة.

[email protected]

التعليق