د.باسم الطويسي

الفرصة والنعمة السياسية

تم نشره في السبت 8 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً

في نهاية هذا العام العربي العاصف، يبدو أن محصلة العاصفة الأردنية الهادئة مقارنة مع يحدث في الإقليم العربي تضع الجميع أمام الفرصة التاريخية لإحداث تحولات حقيقية في هيكلة الدولة وهيكلة النخب واستعادة بعض الثقة بعد الجرح الذي ضربها في العمق. والوجه الآخر لتلك الخلاصة أن تعي الدولة بأركانها المتعددة حجم النعمة السياسية التي عبر عنها سلوك المجتمع الأردني بتعدده واختلافه ونزقه وغضبه وعفويته ووعيه أيضا.
طوال أكثر من عشرين شهرا، هي عمر الحلقة الأوسع للحركة الاحتجاجية الأردنية، حافظ المجتمع على قيم الدولة الأردنية. ولعلها المرة الأولى في تاريخ الكيانية السياسية الاجتماعية التي يختبر عملياً مدى رسوخ تلك القيم في وجدان وممارسة المجتمعات المحلية، حيث أثبت الحراك الشعبي قوة هذه القيم، بل أثبت أن تلك القيم راسخة لدى القواعد الشعبية أكثر من النخب، وربما أكثر من النخب التي يحتضنها النظام السياسي؛ أي مدى إيمان هذه المجتمعات بالدولة والخوف عليها والاستعداد للتضحية من أجل إصلاحها من الداخل وفق ممارسة نظيفة للعب السياسي. وهذه نعمة سياسية حقيقية؛ هل يُحافظ عليها؟
وعلى مدى هذه الشهور، ووسط العواصف المحيطة الدامية، كانت الحركة الاحتجاجية التي اخترعنا لها مسمى "الحراك الشعبي" أكثر تنظيما وأقل عنفا؛ ثمة ضبط داخلي واضح مارسه هذا الحراك بمختلف ألوانه في علاقاته مع الأجهزة الأمنية، وفي علاقات إدارة الحراك الداخلية. لم يسجل الحراك سقوط ضحايا أو دماء في الشوارع، بل حافظ على درجة معقولة من الهدوء وسلمية حركة الشارع، وقدرة لا بأس بها على التنظيم، وقد عبر بذلك عن حيوية المجتمع الأردني وانضباطه الداخلي، أليست هذه نعمة سياسية حقيقية مصدرها الناس؟
صحيح أن الحركة الاحتجاجية بدت مراوحة بين المناطقية والبعد الوطني، ولم تنضج بما فيه الكفاية لمستوى الحركة الاحتجاجية الوطنية إلا في مرات محدودة، إلا أنها عبرت بوضوح عن وعي جديد وعميق، وعن مشاعر حادة بالنقمة حيال أجيال من السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وبالنقمة على أجيال من النخب التي مارست الفساد بالطول والعرض. تهدئة الحركة الاحتجاجية التي يشهدها الأردن خلال هذه الأسابيع تفتح المجال أمام الدولة وليس الحكومة فقط، للتفكير بجدية بهذه النعمة السياسية، أي المراجعة المختلفة والجريئة بهدف حماية هذه النعمة قبل زوالها. وهذه الفرصة إما تغتنم وإما  تزول، فالتطور الاجتماعي والسياسي للمجتمعات لا ينتظر ولا يركن طويلا للحلول الترقيعية. أمامنا فرصة حقيقية للخروج من عنق الزجاجة بالابتعاد عن القراءات الخاطئة لخرائط الناس وتضاريس وعيهم وتوقعاتهم.
الفرصة على قدر النعمة، فقد طُبخ الناس من الحوارات حتى كادوا ينضجون وينتظرون أفعالا. واستعادة بريق الثقة يحتاج إلى أفعال على الأرض تمارسها الدولة بكامل إرادتها. خذ على سبيل المثال فرصة إعادة تشكيل مجلس الأعيان الذي بات استحقاقا سياسيا منتظرا، هل سنجد نخبة جديدة نوعية تمثل كافة الأطياف السياسية والاجتماعية جنبا إلى جنب من قوى المعارضة إلى جانب قوى الموالاة، ومن الأكاديميين والخبراء إلى جانب قادة الرأي، ومن القرى البعيدة المنسية إلى جيران المجلس، فالفرصة في تواريخ الدول والمجتمعات تعني أن تكون أو لا تكون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الفرصة حقيقية (امل العبادي)

    الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    كلامك ذهب ان الفرصة الحقيقية الان وربما هذه المرة ولن تعود ويجب استغلالها بافعال حقيقية على ارض الواقع والا فقدناها للابد
  • »النعمة والنقمة (محمود سالم)

    السبت 8 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    الكلام دقيق فقد استووا الناس من الحوارات ويحتاجون الى خطوات تبني الثقة ،حتى لا تتحول هذه النعمة ومصدرها هذا الشعب الاردني الطيب الى نقمة