هاني البدري

التعليم الطبي الخاص.. ولمَ لا !؟

تم نشره في الاثنين 3 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 3 تشرين الأول / أكتوبر 2011. 02:22 صباحاً

أعرف أن وزير التعليم العالي الدكتور وجيه عويس أكاديمي مخضرم وإداري ناجح، لكن هذا لا ينفي أن ما يجري داخل منظومة التعليم العالي الأردنية وزارةً ومؤسسات وقوانين، هو تخبط عالي الوتيرة من شأنه أن  يُجهز على مزيد من الضحايا من الطلبة ومن الأساتذة وحتى من مؤسسات التعليم العالي.
لعله إرث مزاجات متراكمة عبر السنين تلك التي تضع منظومة التعليم العالي اليوم على فوهة أزمة حقيقية يزيد مداها وتتأجج بسبب كارثة وطنية أخرى مُزمنة اسمها مخرجات التعليم أو "خريجو التوجيهي".فماذا يعني أن يُصر وزراء التعليم العالي على إغلاق الطريق أمام القطاع الخاص الأردني لإنشاء جامعات طبية خاصة تفتح أبوابها لأولئك الآلاف من الطلبة الذين أتعسهم حظهم وقادتهم أقدارهم إلى معدلات تقلُ بعُشر يتيم عن التسعة والتسعين بالمائة وهو الخط الفاصل بين المُبشرَين بالطب وأولئك المطرودين من الحُضن الاكاديمي الأردني إلى الابد؟!
ماذا يعني أن ندفع بعشرات الآلاف من الطلبة الراغبين بدراسة الطب إلى بلاد الله الواسعة للتسجيل في كلياتها وجامعاتها الطبية الخاصة التي لا نعرف عنها ولا عن قوانينها إلا بعض المعلومات لغايات الاعتراف أو عدمه؟
وكيف نتحدث عن أزمة اقتصادية خانقة ودعوات لفتح أبواب السياحة الترفيهية والعلاجية والدينية والتعليمية لأبناء الدول العربية والعالم، ولا نُدرك أن ما يتم تحويلهُ من مبالغ مالية لأبنائنا الدارسين في الجامعات الاردنية يفوق كل الأرقام والتوقعات؟!..
كيف لنا أن نقرأ الأرقام التي تتحدث عن ما يربوعلى ثمانين مليون دولار كفاتورة سنوية لتعليم الطلبة الأردنيين في الخارج وفي تخصصات متوفرة في الجامعات الأردنية وأخرى يمكن فتحها كالطب تحديداً؟!أسأل ايضاً؛ كيف أُبرر للطالب الذي أفنى نفسه وعائلته وساعات الدراسة والضغط النفسي و(البصم) أثناء دراسة التوجيهي ليحصل على معدل تسعيني متقدم فيدخل الطب، والآخر الذي حصل على معدل عادي بعد جهد عادي  فالتحق بجامعة خارجية بكلية الطب، ثم التقيا ليدخلا إلى سوق العمل طبيبين متساويين. كيف أُبرر كل هذا العناء والاجتهاد سعياً نحو معدل مُوشح بالتسعة المكررة؟
أُدرك أن طلاقاً بائناً قد وقع منذ زمن طويل بين مخرجات التعليم العالي وحاجات السوق المحلي، بل إن طلاقاً أبغض قد أهدر الجهود والمقدرات في الهوة بين مخرجات التوجيهي ومدخلات التعليم العالي.وأعود لأسأل ماذا يعني أن نعرف أن أردنيين يساهمون في جامعات خاصة في دول عربية مجاورة ويؤسسون لكليات طب هدفها الأساسي استيعاب الطلبة الأردنيين الراغبين بالطب اولاً، ثم يطلق هؤلاء أنفسهم السهام على أي محاولة لفتح تعليم طبي خاص في الاردن؟!
كالعادة بعض الحراك قد رأى النور ليس بمسعى من أحد،بل راوحنا أمكنتنا حتى قام جلالة الملك بمكرمة ومبادرة سامية بإطلاق جامعة طبية خاصة تتبع للخدمات الطبية الملكية، وهي خطوة جبارة لإنقاذ طلبتنا واستيعاب الآلاف منهم.
لكن ماذا عن تعليم طبي خاص يفتح ذراعيه أيضاً لاحتضان تلك الآلاف المؤلفة من الحالمين بدراسة الطب لكن معدلاتهم وربما ظروفهم المالية لا تسمح بالسفر إلى جامعات الخارج؟
أستلف تعبير الصديق الدكتور طالب الصريع.. "على الأقل تكون هذه الكليات الطبية الأردنية الخاصة على مرأى منّا وتحت عيون رقابتنا وقوانيننا". الخطوة الملكية تتطلب منا بناءً عليها عبر آفاق اكاديمية طبية أخرى لاستيعاب مزيد من الطلبة وضمان مستويات متقدمة لخريجي الطب في الأردن ورفد سوق العمل بأطباء استفادوا من الإمكانات الطبية الرائدة في المنطقة.وإلا فما معنى أن يكون الأردن إحدى أهم الدول المتقدمة عالمياً في مجال السياحة العلاجية ويدفع بالآلاف من طلبته لدراسة الطب في جامعات وكليات دول لا نعرف عنها إلا اسمها؟
يتحدث مسؤولون في هذا القطاع عن "معايير رفيعة في الأردن استفادت منها دول عربية"، وعن إمكانات تعليمية وطبية كبيرة وإنجازات حقيقية في كليات الطب بالجامعات الرسمية الأردنية، ثم عند الحديث عن وقف نزف الشباب المهاجر بحثاً عن فرصة تعليمية وارتفاع قيمة التحويلات الخارجية للطلبة، وأن الوقت قد حان لفتح مجال التعليم الطبي المحكوم بمعايير أكاديمية وطبية وعلمية دقيقة ومراقبة رسمية لصيقة، تعود الدعوات لحصر التعليم الطبي بمؤسساته الحالية.
آن الاوان لقطاع التعليم العالي وبعيداً عن قضية التعليم الطبي الخاص أن يتصدى لجملة ملفات مؤرقة هي أبعد كثيراً من أزمة طلبتنا في اليمن وليبيا، وأعمق من مزاجية تخرج كل يوم بقرار مغاير، لا يؤثر إلا على الطلبة ومستقبلهم.

hani.badri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كفانا حسدا.. (عثمان الحسيني)

    الخميس 13 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    مما يؤسف له هذا الولع بالاحاديث التي لا تقوم على ارضية واقعية... وهذا ما اراه في تعليق الاخ الفاضل محمد الطويل
    حيث ان انشاء كلية خاصة للطب يخضع لمتطلبات صارمة من قبل مجلس التعليم العالي و رقابة شديدة لما يقدم يجعل منه بكل الاحوال افضل مما يحصل عليه طلبتنا في جامعات خارجية بالتاكيد
    فان تحقق هذا فما هو المانع لدى الاخ الطويل ان يربح صاحب هذا المشروع (الملايين كما يعتقد هو بالطبع)
    اليس من حق الانسان ان يربح من استثماره
    انا متاكد ان السيد الطويل سيكون جد مسرور لو علم ان المشروع من هذا النوع قد خسر..
  • »بدائل مناسبة (محمد الطويل)

    الاثنين 3 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    استاذ هاني اعتقد ان الطلب بتلعيم طبي خاص حسب الوضع الحالي القائم للجامعات الخاصة لا يمكن الا ان يكون كارثيا على مخرجات التعليم، وانا لا اعارض انشاء جامعات طبية اهلية ولكن لكي نكون واقعيين لا يمكن ان تكون هذه الجامعات جامعات خاصة وفق ما هو حاصل هدفها الربح فقط، فماذا يمنع ان تكون الجامعة مؤسسة غير ربحية حقيقية تهدف الى الارتقاء بالتعليم من خلال توظيف المردود المادي الجيد في تطوير نفسها بدل تكديس الملايين في البنوك؟ ومن جانب اخر اعتقد ان الاحل الافضل يا سيدي بوجود جامعة طبية تتبع لوزارة الصحة تدفع تكون مسؤولة عن تأمين الوزارة باحتياجاتها، فمن يريد ان يدرس في هذه الجامعة عليه ان يلتزم بالعمل لسنوات معينة وان يلتزم في العمل في مناطق نائية وبعيدة محددة المدة ايضا، وهذا باعتقادي افضل من وجود جامعات خاصة يدفع فيها الملايين، لاني لا اعتقد ان الطالب الذي سيدفع خمسين وستين الف دينار وهذا يعني انه مقتدر ماديا سيقبل ان يذهب للعمل في الصفاوي او الجفر، بينما الطالب الذي حصل 95% وقبل بان تدرسه الدولة على نفقتها سيقبل ان يذهب لسنتبن مثلا للمناطق البعيدة. الاراء حول هذا الموضوع ستبقى كثيرة ولكن علينا ان لا نتجاهل ان التعليم الجامعي الخاص في الاردن لا يشكل رافعة للارتقاء بالعلم والبحث العلمي ما دام على وضعه الحالي الهادف فقط الى الربح المادي، لانه يتبع شركات تهدف للربح، التعليم الخاص سيتفوق على العام بالمخرجات لو انه اصبح ذات يوم يتبع لمؤسسات غير ربحية.