محمد برهومة

التديّن والنهضة

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

كان من أبرز التعليقات التي أبداها الداعية المصري عمرو خالد على استطلاع الرأي الأخير الذي أجراه "مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار" التابع لمجلس الوزراء المصري، حول "دور الدين في المجتمع المصري" قوله إن التدين لدى المصريين جزء من تركيبة مصر منذ العصور القديمة، والحضارة المصرية مرتبطة بالإله منذ القدم. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أنّ التدين لدى المصريين فيه انفصام بين العبادات والأخلاق. وأكد ضرورة فهم التدين من خلال تطبيق عملي، وأنه لا تدين بلا تصرفات تؤيده في المجتمع، مشيراً إلى أن البنية الحقيقية للنهضة تتم من خلال الأخلاق، واستيعاب المصريين لهذا، برأيه، ما يزال بطيئا. وطالب المساجد والكنائس بمزيد من الجهد لفهم الجزئيات والكليات في المسائل الدينية بشكل صحيح، ووضع الأمور في حجمها الطبيعي، مؤكدا أن التعايش مع الديانات الأخرى مقصد أساسي وكلي في الشريعة الإسلامية. ودعا المسؤولين للبحث عن مشروعات مشتركة تجمع بين شباب المسلمين والمسيحيين ليتعاملوا سويا، لأن القضايا الفكرية لا تذوب إلا بالاحتكاك الاجتماعي.
تعليقات عمرو خالد المهمة، جاءت تعقيبا على نتائج الاستطلاع المذكور والتي أظهرت أن
73 % من المصريين -مسلمين ومسيحيين- متدينون. لكن المحدد الذي ركّز عليه الاستطلاع في تحديد مسألة التدين كان هو: "أداء الصلوات بانتظام". وقد عزز من هذا الفهم لمضمون التدين، وهو فهم لا يخص مصر وحدها، أن 76 % ممن شملهم الاستطلاع  قالوا إنّ الإنسان يجب أنْ يكون متدينا لتكون لديه أخلاق.
والحقيقة التي كان ينبغي أنْ يثور النقاش والجدل بشأنها هي التركيز على مركزية الأخلاق والفضائل في أي دين، وأنّ الشعائر والطقوس والأحكام الدينية حين تخلو أو تبتعد في أداء البشر لها عن الفضيلة لا تتكفل على الأرجح بإنتاج الخير والتقوى والمحبة لله والكون والناس. والتحدي الأكبر أمام أي دين أن يكون "أكثر أخلاقية" من الكفر والإلحاد. من هنا يبدو حصر التدين بـ"أداء الصلوات بانتظام" فيه اختزال مخلّ جدا بهذا المفهوم، وفيه انتقاص كبير من مفهوم العبادة الشامل والواسع، وفصل الأخلاق عن التدين، فيه إساءة للتدين والدين. واستشعار حضور الخالق نابع من تخمّر الأخلاق والفضيلة في القلب والسلوك، والشعائر والصلوات عوامل لتحقيق هذا الحضور وذاك التخمّر، وفي حال "انفصام العبادات عن الأخلاق"، كما قال عمرو خالد، فإن هذا التدين يغدو فارغاً وليس ميزة أو مجالا للتفاخر والاعتداد واكتساب الثقة والمقبولية لدى الناس.
وبالتصاق العبادات بالأخلاق نبني عنصرا من عناصر النهضة، وهذا لا يكتمل ما لم نغيّر مِروحة التدين لتشمل إلى جانب أداء الصلوات الابتعاد عن الفساد المالي والإداري والسياسي وحب الناس وتقديس حرية البشر والتعاطف مع معاناتهم ومساندتهم وتمني الخير والسعادة لهم، ولو كانت هذه حقيقة الـ73 % ممن قالوا في الاستطلاع إنهم متدينون، لكنّا مجتمعات مثالية وفي أعلى مراتب النهضة والتقدّم!

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق