المصري: حسم جدل الهوية ينطلق من مثلث المواطنة والتمسك بالهوية الأردنية والحفاظ على حق العودة

تم نشره في الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2011. 12:20 مـساءً

عمان - أكد رئيس مجلس الأعيان طاهر المصري، ضرورة إجراء نقلة نوعية في الحياة السياسية والاجتماعية، موضحا أنه يجب السير بهذا الدرب بهدى ومعرفة وتخطيط، بعيدا عن القفزات العشوائية.
وفي حوار موسع مع "الغد"، أجمل فيه المشهد على الساحة السياسية، أشار المصري إلى ضرورة الالتفات إلى رغبة الشارع، وأن تكون الإصلاحات هي مرآة حقيقية للمطالب وتمتاز بالاستمرارية والتطور.
وبين المصري في الحوار، الذي شارك فيه رئيس التحرير الزميل فؤاد أبو حجلة والزميلان محمد سويدان وماجد توبة، أن هناك أسبابا سياسية وعاطفية لعدم قبول الشارع بإلاصلاحات المطروحة حتى الآن، مشيرا إلى أن احتقان الشارع متراكم منذ سنوات، وذلك بسبب قضايا كثيرة لم تقم الحكومات بالتعامل معها وظلت مختزنة، وصار الانطباع السائد بأن "الحكومات في واد والشعب في واد آخر". ورأى المصري أن كثرة الوعود الحكومية وعدم تحقيقها، بسبب تغيير الحكومات، والوزراء، والتشريعات، كان سببا في عدم تحقيق الوعود على أرض الواقع. وأضاف أن كل الحكومات منذ عقود، ظلت تتحدث عن قضايا الفساد، فيما رأى الناس أن هذا يذكر، بدون تحقيق شيء على أرض الواقع، حتى ازداد الفساد وأصبحت له أسس عامة ومعروفة للجميع.
وشدد المصري على ضرورة تغيير نهج تشكيل الحكومات في المرحلة المقبلة، مشيرا إلى ضرورة الانطلاق إلى حالة في تشكيل الحكومات، تقوم على أسس ديمقراطية، من خلال تكليف الأجسام ذات الأغلبية النيابية الناشئة، بتشكيل الحكومات. وقال "نحن على أعتاب مرحلة مختلفة، تؤسس لوجود مجلس نواب ستدخل فيه عناصر وأحزاب حيوية، نتيجة قانوني انتخاب وأحزاب جديدين، بعد إنجاز التعديلات الدستورية.
واستدرك أن الاصلاح لا بد الآن أن يأخذ شكل الحزمة، إذ لم يعد كافيا السير فيه عبر الخطوة الواحدة، مشددا على ضرورة دراسة تلك الحزمة قبل الإعلان عنها.
وعن لجنة الحوار الوطني، اعتبر المصري أن الأهم في الحالة التي شكلتها لجنة الحوار، هو التأسيس لحالة سياسية حضارية، تتبدى بظهور ما يمكن تسميته بمفهوم "الوفاق الوطني"، بين القوى السياسية والاجتماعية المتنوعة والمختلفة، مضيفا أنه لا بد للحكومات من أن تستفيد من هذه التجربة الفريدة.
وحول ما أثير حول المصري في وثائق "ويكيليكس"، أوضح أنه ليس في موقف الدفاع عن النفس، مشيرا إلى سنوات خدمته في الدولة، حيث كان رأيه في المجالس المغلقة مطابقا لرأيه على المنابر المفتوحة، بدون مواربة، مشددا على أن ما نقل عنه في الوثائق، هو محض فهم خاص بالمسؤول الأميركي لتصريحاته أو وجهة نظره، نافيا مسؤوليته عن عدم فهم السفير لما قاله، والذي نقل عنه بطريقه غير تقريرية.
ورفض المصري أن يؤخذ بجريرة سوء تقرير أو خطأ في نقل مسؤول أميركي، خصوصا أن ما نقل عن المصري ليس نصا أو تصريحا، لكنه تحليل دبلوماسي لمواقف معلنة.
وحول جدل الهوية والمواطنة، شدد المصري على أنه آن الأوان لمواجهة هذا السؤال، وعلى الحكومات والنخبة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب، التعامل مع ذلك بمستوى عال من الجدية، وأن لا يبقى هذا الأمر مسكوتا عنه، أو يمارس معه ما يمكن تسميته "طبطبة"  أو أن يظل تحت الرماد. ونبه المصري إلى أن مواجهة التهديدات الإسرائيلية ضد الأردن في قضية "الوطن البديل" يجب أن تواجه بتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك الداخلي، مؤكدا أن الشعبين الأردني والفلسطيني لا يمكن ان يقبلا بمخططات الوطن البديل.
وتاليا نص الحوار:

• بداية، وبصفتك رئيسا للجنة الحوار الوطني، وعضوا في اللجنة الملكية لمراجعة نصوص الدستور، ورئيسا لمجلس الأعيان، ومن هذه الزوايا المتعددة، كيف تقرأ الوضعين السياسي والمحلي، وحالة عدم اليقين السائدة بصورة واسعة لدى نخب مختلفة؟
- ليس سرا أن الوطن والمنطقة يمران اليوم بظروف صعبة جدا، وفي ظل هذه الأجواء، من المهم جدا أن نعمل على تحقيق الإصلاح، ليس ذلك وحسب، بل علينا إجراء نقلة نوعية في الحياة السياسية والاجتماعية، لكن علينا أن نسير في هذا الدرب بهدي ومعرفة وتخطيط، فلا نريد قفزات عشوائية، بل نريد الشيء الذي يرغبه الرأي العام والشعب الأردني، وتتحقق من خلاله إصلاحات حقيقية، نضمن لها الاستمرارية والتطور.
•  لكن، ألا تلاحظون أن ثمة حالة استعصاء سياسي او إصلاحي، بمعنى أنه، برغم خطوات الإصلاح الدستورية والقانونية، وتحويل قضايا فساد للقضاء، فإن هذه الخطوات لا تجد طريقها إلى أذهان الحراك في الشارع، ولا يجد القناعة؟
- هناك أسباب سياسية وعاطفية لعدم قبول الشارع لتلك الإجراءات والخطوات الإصلاحية، برغم أهميتها، وأقصد هنا ما جاءت به التعديلات الدستورية، وما سيتبعها من استحقاقات تشريعية، تطال القوانين الناظمة للحريات والحياة السياسية، كالأحزاب والانتخابات.
بعض أسباب احتقان الشارع يتمثل في أن هناك احتقانا متراكما منذ سنوات، سببه قضايا كثيرة لم تقم الحكومات بالتعامل معها، وبقيت تختزن في نفوس الناس، وبات هناك شعور بأن الحكومات "في واد والشعب في واد آخر"، حتى ساءت الظروف السياسية، مترافقة مع تراجع الظروف المعيشية للناس، وظهرت أمراض كثيرة منها قضايا الفساد وتزوير الانتخابات، كل ذلك أوصلنا الى ما أسميته حالة الاستعصاء، وفقدان الثقة بخطوات الإصلاح الرسمية، على الرغم من أهميتها وجذريتها.
•  إذن فأنت ترى أن ثمة مشكلة وأزمة ثقة بين الشارع والمجتمع والحكومات؟
- الثقة بينهما ضعيفة، أو حتى تكاد تكون معدومة، أقصد بين الحكومات والشعب، وظهرت هذه العلة بأشكال متعددة، حتى أخذت واقعا يتكرر معنا كل أسبوع، ويلمس بوضوح.
أعتقد أن سبب ذلك هو كثرة الوعود الحكومية وعدم تحقيقها، فالحال اننا نشهد تغيرا مستمرا للحكومات، ووزراء يتغيرون باستمرار، وتشريعات تتبدل على الدوام، بينما لا يتحقق من الوعود الشيء الكثير على أرض الواقع.
كذلك، فإن كل الحكومات، منذ عقود، وكل كتب التكليف الملكية، تتحدث عن قضايا، منها الفساد وضرورة مكافحته، غير أن الناس ترى أن هذا يذكر ويتكرر في كتب التكليف وبرامج الحكومات، بدون أن تلتزم هذه الحكومات بتحقيق شيء على أرض الواقع، بل يلمس الناس العكس، ويرون أن حديث الفساد يزداد، وأصبحت أسس الفساد عامة ومعروفة للجميع.
هذه عوامل جعلت الثقة بين الحكومات والشارع معدومة، إلى حد كبير.
من زاوية أخرى، أجد أن سرعة الأحداث في المنطقة، ومن ضمنها الأردن، في ظل الربيع العربي، كانت أسرع من حركة الحكومات في إجراء بعض الإصلاحات، فباتت التعديلات الدستورية وحدها غير كافية للشارع، ولا تغيير الحكومات كذلك.
ثمة قناعة شعبية أن هناك فقط إجراءات شكلية، منها تغيير الحكومات، وتغير الأشخاص، في وقت تتركز المطالب اليوم على ضرورة تغيير النهج، وأؤيد ذلك، فالمشكلة في النهج، وليس في الحكومات، وهذا ما بات قناعة عامة في الشارع.
• بالعودة إلى آلية تشكيل الحكومات، والتحفظ على نهج وآلية تشكيلها، وبعد حزمة الإصلاحات الدستورية والقانونية، هل يمكن ان نشعر بالتفاؤل، بإمكانية الانتقال إلى حالة ديمقراطية في تشكيل الحكومات؟
- إذا نظرنا إلى المستقبل القريب، فنحن على أعتاب مرحلة مختلفة، تؤسس لوجود مجلس نواب مختلف، تتاح فيه الفرصة لدخول نواب على أسس سياسية وحزبية، ما يمنح الحياة البرلمانية حيوية وفعالية، وهو وضع يوفر البيئة الملائمة له قانونا انتخاب وأحزاب جديدان وتقدميان، إضافة إلى ما وفرته التعديلات الدستورية.
هذا الحضور السياسي المتوقع في السلطة التشريعية، سيساهم في حضور كتل وأجسام نيابية وسياسية تقوم على أسس حزبية وكتلوية وبرامجية.
من هنا، تتوفر الفرصة كي ننطلق إلى حالة، تتشكل فيها الحكومات وفق أسس ديمقراطية وسياسية، وقد يتم تكليف هذه الأجسام والكتل النيابية، ذات الأغلبية الناشئة، سواء من حزب أو ائتلاف حزبي أو نيابي كتلوي، بتشكيل الحكومات.
عند الوصول إلى هذا الوضع النيابي والسياسي، يصبح من الضروري، بل ومن المنطقي، أن يكلف جلالة الملك ممثل الحزب أو التجمع النيابي الأكبر بتشكيل الحكومة.
لكن هذه الخطوة تحتاج إلى تأسيس. فإذا أخذنا وضع البرلمان الحالي، فهو لا يضم أكثرية متآلفة كتلويا، يستطيع الملك تكليفها بتشكيل الحكومة.
فالهياكل الحزبية والكتل داخل مجلس النواب، يجب أن تتألف وتنتج عن انتخابات أو تكتلات متنافسة في انتخابات حرة ونزيهة، حتى نصل إلى هذه الصورة الديمقراطية.
من هنا أقول إن المجتمع والحراكات السياسية عليها مسؤولية في الاستمرار بهذا النهج والتأسيس له أيضا، حتى تتكون الهياكل والأجسام الحزبية والسياسية، ولتتألف الحكومات وفق هذا المبدأ، وبذلك نكون قد وصلنا إلى مرحلة تغيير النهج.
طريقة تشكيل الحكومات تتغير بشكل جذري مع تطور الحياة الحزبية والنيابية. وفي قناعتي أن في الدستور ما يؤهل لتشكيل هذه الحكومات بالطريقة الديمقراطية الشفافة الصحيحة.
هذه الخطوة ستسمح، بلا ريب، بالسير إلى خطوة مهمة وجوهرية أخرى، وهي تحقيق مبدأ الولاية العامة لمجلس الوزراء. وفي اعتقادي، أن هذه الخطوة هي المكملة والحقيقية للسير في الطريق الإصلاحي المنشود، وذلك عبر انتخاب مجلس نواب قوي، يمهد لتشكيل حكومات جديدة على أسس موضوعية وشعبية وديمقراطية وكتلوية، ما يمكن من استعمال كامل الصلاحيات الموجودة في الدستور، والتي لم تفعل ولم تمارس لظروف موضوعية، فإذا اكتملت هذه العوامل، أعتقد أننا نكون قد سرنا في الطريق الصحيح.
•  لكن، وأمام فرصة مراجعة الدستور، والتي فتحت لأول مرة، لم تأت تعديلاته بجديد على نهج تشكيل الحكومات، حيث أبقت التعديلات النهج كما هو، أي من خلال التكليف المفتوح، ما رأيكم؟
- القضية لا تقتصر على التعديلات الدستورية، فالدستور لا يمنع تغيير نهج تشكيل الحكومات، بل التغيير يحتاج إلى عوامل عدة، أولها توفر الإرادة السياسية للدولة، والتي أعتقد أنها أصبحت متوفرة الآن، وأوضح من أي وقت مضى.
ما جرى في المنطقة، وفي الإقليم من أحداث، اظهر أننا بحاجة إلى التغيير، بل نحن مضطرون له، وقد بادرنا الى التغيير بصورة فريدة، لكن المطلوب أن يستكمل الإصلاح السياسي بصورة توافقية وحقيقية، وضمن إطار النظام السياسي، الذي يجمع عليه كل الأردنيين.
•  ثمة رأي أن حراك الشارع الأردني المطالب بالإصلاح لا يختلف كثيرا عن حراك الثورات العربية في ربيعها الدائر حاليا، غير أن الرأي الغالب أن هناك فرقا بين الحالتين، من أية زاوية تنظرون إلى هذا الفرق؟ فثمة من ما يزال يشكك بتوفر الإرادة السياسية لإحداث اصلاح حقيقي؟
- الفرق واضح، ولا جديد فيما سأقوله، ففي تلك البلدان ثمة حالة طلاق وخلاف جذري بين الشعب وبين النظام السياسي، لذلك ثار الناس، وأسقطت الأنظمة.
أما نحن في الأردن، فلسنا كغيرنا في ذلك، نحن خلافنا على النهج والسياسات، وليس على النظام السياسي.
هذه الفرادة في الحالة والفرق المذكور، هما ما وفر الفرصة المميزة، التي مكنت القيادة السياسية، من أن تسير في وصفتنا الخاصة للإصلاح، حيث بدأت بإجراء الإصلاحات والتغييرات من تلقاء نفسها، وهذا أمر أعتقد أنه سوف ينتج أشياء ملموسة على أرض الواقع.
من حق البعض، أن يعتقد ويعتبر أن هناك تباطؤا في الإصلاح، لكن يجب مخاطبة هؤلاء بالقول إن بعض الأمور تحتاج إلى وقت، وإلى مراجعة ومراحل قانونية ودستورية لا يمكن القفز عنها، فمثلا هناك من يظن أن ثمة مماطلة في إجراء التعديلات الدستورية، وأنها أخذت وقتا أكثر مما تستحق، لأنه، ومن وجهة نظرهم، أن كل ما كان علينا فعله في اللجنة الملكية هو إعادة الدستور إلى ما كان عليه العام 1952، وإجراء تعديلات دستورية بسيطة.
لكن من وجهة نظر جلالة الملك، لدى تكليفه رئيس وأعضاء اللجنة الملكية لمراجعة نصوص الدستور، فإن المطلوب كان مراجعة كاملة للدستور، الأمر الذي تطلب وقتا طويلا، قياسا مع ما استغرقناه من وقت، فالمواطن العادي قد لا يستشعر مبلغ الأهمية والمسؤولية في هذا التكليف، فالنقاش وحده يتطلب وقتا، حتى يتسنى استخلاص التوافق على قراءة مادة دستورية ما.
هذا الأمر أيضا وجدته في لجنة الحوار الوطني، والتي ظن البعض أن طبيعة عملها سهلة، ولا تتطلب وقتا، لكن الواقع مختلف تماما، فاللجنة لم تتشكل فقط لوضع قانون انتخاب، بل هي وضعت وثيقة كاملة، تتناول مقدمات الإصلاحات الضرورية، التي نحتاجها، وإجابات عن أسئلة بقيت معلقة طويلا، صحيح أن الإعلام لم يركز على هذه المحاور والأبعاد، بل ركز على قانون الانتخاب، كما أن الحكومة لم تأخذ كامل الوثيقة، وركزت على النظام الانتخابي، لكن اللجنة كانت تسعى لما هو أبعد من التوافق على نظام انتخابي، فقد أرادت بلورة توافق واتفاق وطني على الخطوط العريضة والضرورية لأجندة الإصلاح.
وبالعودة إلى السؤال، اعتقد أن الإرادة السياسية الآن متوفرة، وأن الضغط الشعبي أصبح واضحا باتجاه ضرورة الإصلاح، ولا يمكن تجاهله، كما أن الأوضاع في المنطقة تحتم أن يتجاوب الأردن مع هذا الأمر، حتى نصل إلى الإصلاح المنشود.
•  ألا ترى أن ثمة خلافا في أولوية الإصلاحات المطلوبة من قبل الشارع، بل وقد ترى أحيانا أكثر من شارع بأولويات مختلفة، هل تؤيد القائلين بأن مطالب الإصلاح في الأردن غير واضحة تماما؟
- ربما يكون هناك نقاش حول مدى الإصلاح أو عمقه، لكن الأهم برأيي، ومع أخذ كل الأولويات بعين الاعتبار، فقد قطعنا شوطا جيدا في طريق الإصلاحات، لكن ذلك لا يعني نهاية الطريق، فالتطوير لا بد أن يظل مستمرا، وهو نهج تحديثي بحد بذاته.
التعديلات الدستورية الجديدة، كالمحكمة الدستورية وهيئة الإشراف على الانتخابات، وإلغاء محكمة أمن الدولة، كل ذلك له تداعياته وأهميته التي سوف تظهر مع الزمن، وسوف تغير الحياة السياسية والحكومية، على نحو كبير وجوهري. نحن لا نستطيع تقدير هذه الآثار الايجابية الآن، لكنها سوف تظهر للجميع، ليتبين للجميع أنها مهمة، وأحدثت تغييرات مهمة في جوانب متعددة من حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
على قوى المجتمع أن تتحمل مسؤولياتها، ويجب أن يتوقف هذا التبعثر وهذا التشتت في الجهود الإصلاحية وحالة عدم اليقين وفقدان البوصلة. صحيح أن الحكومة عليها واجب القيام بإجراءات تجمع الناس وتلبي همومهم وطموحاتهم، ولكن يجب أن لا نبقى متلقين ومنتظرين لخطوات الحكومة فقط، يجب على هيئات المجتمع المدني والقوى السياسية أن تقوم بواجبها ودورها.
وأعتقد أن المجال الآن مفتوح لذلك، وقدرة الحكومة على تعطيل هذا العزم تتراجع باستمرار، وهو ما يمكننا من أن نصل إلى تعريف مجتمعي للإصلاح الوطني المطلوب، في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
• أليس في ذلك إجهاد لقوى الشارع والمجتمع، الذي مورست بحقه أعتى سياسات التفرقة والتشتيت، محاولة تعطيل مشروعنا الديمقراطي الإصلاحي مطلع تسعينيات القرن الماضي؟
- مربط الفرس في الإجابة عن هذا الطرح، يكمن في استعادة ثقة الشارع، وأعتقد أن الدولة تحاول رصد هذا السؤال، وكيف للحكومات أن تأتي وتستعيد ثقة الشارع. فبرغم ما لمسناه من توفر الإرادة السياسية، فإن التشكيك ما يزال موجودا.
وفي ظني، أن سبب ذلك يعود إلى قوى الشد العكسي، التي تقف في طريق الإصلاح، والتي تحدث عنها صراحة رأس الدولة، أعتقد أن هناك من يعرقل الإصلاح ومن يرفض تطبيق الإصلاحات.
• إذن كيف نثبت للمواطن أو نقنعه بأن الإرادة السياسية توفرت للإصلاح، ما دامت جهود عرقلة الإصلاحات ما تزال فاعلة؟
- أعتقد أن حيوية الشارع يجب أن تستمر، إلى أن يتم تحقيق الهدف الإصلاحي الحقيقي، بمعنى، أن الحاجة باتت ملحة لإجراءات أو مواقف أو سياسات جديدة، ويجب أن يتم اللجوء إليه حتى يتم إقناع الناس بأن الإرادة موجودة. أعتقد أن الخطوة الأولى، لتحقيق هذا الأمر، تتمثل في الإتيان بحكومة قوية، ذات صلة بالناس، وأن تتشكل من وزراء موضع ثقة الناس بنزاهتهم وشفافيتهم وكفاءتهم، وأن يكونوا قادرين على الاتصال مع الشعب والناس بطريقة مستمرة وكفؤة.
الخطوات أو الحزمة المطلوبة يجب أن تنفذ وتتحقق سريعا، نريد حكومة قوية، فالأمور تدور بسرعة، والثقة ضعيفة بين الفئات الشعبية وبين الحكومة. لا يوجد حل بالقطعة، تعديلات دستورية فقط، أو تغيير حكومة فقط، يجب القيام بحزمة إصلاحية متكاملة ومدروسة، تتضمن أيضا وجود مستشارين بنفس المواصفات، حول مرجعيات صنع القرار. كذلك، لا بد أن تتضمن الحزمة إجراءات حقيقية في بعض قضايا الفساد، تقنع الشارع بجدية الدولة في محاربة الفساد ومكافحته.
المطلوب أيضا أن يتوفر الانسجام والعمل بروح الفريق بين أجهزة الدولة ومؤسساتها، بعيدا عن حالات التنافس والمشاغبات والتضارب التي تسود أحيانا كثيرة، لتسير أعمال الدولة بشكل ميسر. ولا بد من إيجاد مطبخ سياسي يساعد جلالة الملك ويسند جهوده ورؤاه الإصلاحية، ويضمن سير العملية الإصلاحية بيسر وإنجاز.
بعد ذلك، يمكننا أن نصل إلى الانتخابات النيابية القادمة، التي ستكون قادرة على اكتساب ثقة الناس وتبلور الإصلاح على الأرض. وبدون هذه الحزمة سوف نبقى نعاني من فقدان الثقة، ولن يكتمل الإصلاح.
• لكنك أمام شارع، أصبحت مطالبه تتجاوز التعديلات الدستورية الموصى بها، خذ مثلا الجبهة الوطنية للإصلاح، التي يترأسها أحمد عبيدات، فقد قدمت مقترحات متكاملة، لماذا لم يكن هناك وعي مبكر لاستيعاب حالة الاحتقان الموجود في الشارع، والاستجابة للمقترحات المهمة؟
- هذا دستور ينظم ويخطط لحياة الشعوب والأمم لفترات طويلة. كل كلمة فيه تقاس وتقر بروية ورؤية قانونية وسياسية. هل تعلم أن إضافة كلمة مستقلة للسلطة القضائية في التعديلات احتاج نقاشها ليوم كامل، حيث تحمل معاني عديدة. يجب أن تكون واعيا ومسؤولا حيال كل كلمة ونص في الدستور. ثمة أمور ونصوص نظرنا فيها، وفي مدى حاجتها للتعديل، لكننا ارتأينا أن دورها يأتي لاحقا، ووفقا للتطورات المستقبلية. لم يكن ممكنا أن يوضع قيد على صلاحيات الملك في تأليف الحكومات، في ظل الوضع النيابي والسياسي الحالي، لأن البيئة الحزبية والسياسية والنيابية لا تساعد الآن على النص على تكليف رئيس الأغلبية النيابية بتشكيل الحكومة، لكن ذلك يعود لموضوع الإرادة السياسية، وتوفرها وتوفر الظروف الملائمة لتطبيقها. أما الوصول إلى الإرادة السياسة فيأتي عبر الضغوطات والحراك الديمقراطي، لكن بعد تشكل حياة حزبية نيابية صحيحة، بخاصة بعد نحو 20 عاما من تشوه الحياة النيابية والحزبية والسياسية. ليس ممكنا القفز سريعا إلى النص على تكليف رئيس كتلة الاغلبية بتشكيل الحكومة.
أعتقد أن الفرصة مواتية اليوم لبناء الأردن الجديد، لتعزيز العملية الإصلاحية واستقرار وتطور الدولة، وجلالة الملك يمتلك من الرؤية والحكمة وبعد النظر ما يؤهلنا لولوج هذه المرحلة.

أؤكد لكم أن الانتخابات المقبلة ستسير بكل نزاهة

• تحدثت عن المطلوب من الجانب الرسمي في المرحلة المقبلة لتكتمل عملية الإصلاح وتسير بصورة آمنة ومنتجة، لكن ثمة من يرى أن المعارضة، التقليدية والجديدة، عليها دور ايضا في إنجاح العملية؟
- أولا، أريد أن أوضح، أن لجنة الحوار الوطني تألفت من الكثير من القوى السياسية في الساحة، ومثلت أغلب الطيف السياسي في الشارع، وقد ناقشت كل القضايا بكل حرية وانفتاح، وخرجت بوثيقة مهمة. أنا أرى أن وثيقة لجنة الحوار الوطني وتوصياتها لم تجد رفضا، بل ركز الرفض أو التحفظ على النظام الانتخابي. نحن لم تكن مهمتنا وضع نظام انتخابي فقط، كانت أيضا وضع إطار عام للإصلاح. وقد تمكنا من وضع إطار صحيح، وكان جريئا. وضعنا فيه صيغة لموضوع المواطنة، وفك الارتباط والحريات العامة، والتعديلات الدستورية، وصولا إلى توافقات مهمة. الاختلاف كان حول النظام الانتخابي وليس قانون الانتخاب، والأخير وصلنا تجاهه إلى توافقات وطنية بدون أي اعتراضات وبصورة مقبولة من الشارع، لكن الخلاف كان على موضوع النظام الانتخابي، لذلك فإن رفض مقترح لجنة الحوار من قبل قوى سياسية أو جهات معينة أمر طبيعي ومنطقي، ولقد شكلت لجنة الحوار في ظروف صعبة، وترافقت مع بداية الحراك الشعبي، وزخم الحراك الإقليمي والعربي في ربيعه الإصلاحي.
• ثمة من ما يزال يشكك بجدية إرادة الإصلاح، بل ويتساءل مشككا منذ اليوم حول ضمانات نزاهة الانتخابات النيابية المبكرة المقبلة، استنادا إلى تجربة مريرة مع تزوير الانتخابات السابقة؟ 
- نعم، ثمة من يشكك، لكن أستطيع أن أؤكد لكم جازما أن الانتخابات القادمة ستسير بكل نزاهة، بالرغم من أن شكوك الناس هي العائق. الثقة الشعبية معدومة، يجب على الدولة أن تعمل جاهدة لردم هذه الهوة، وبكل الوسائل، حتى نستطيع أن نقبل بعضنا ونحقق إنجازات إصلاحية ونطور بلدنا. أعتقد أن المحددات على الحكومة، أية حكومة، عند الإشراف على الانتخابات المقبلة، ستكون كبيرة، ولم يعد ممكنا لأية حكومة أن تعبث أو أن تتهاون في نزاهة الانتخابات، فقد دفعنا كثيرا من رصيد الثقة جراء تجارب سابقة.
• ما هو النظام الانتخابي الأنسب لحالتنا الأردنية، من وجهة نظرك؟
- شخصيا أحبذ القائمة النسبية. اذا أردنا نظاما انتخابيا جيدا، ينتج عنه برلمان مسيّس تتنافس فيه الكتل البرامجية والحزبية، فالقائمة النسبية هي الحل، وهي التي تحد من حالة التشتت الموجودة عند التصويت على أساس طبقي أو مناطقي أو عشائري أو فردي. لا بد من الخروج بنظام يمكن المواطن من الانتخاب على أسس الكفاءة والمبادئ والبرامج.
القائمة النسبية هي الخطوة الأولى، قد لا تكون كافية، لكنها مهمة لتجميع الناس، وتقوية الأحزاب، والانتهاء من فردية الصوت الواحد.
• فيما يتعلق بالقائمة النسبية، ثمة مسؤولون وسياسيون يردون على المطالبين بها، بالتحذير من "البعبع الإسلامي"، وأنها ستصب في صالح جبهة العمل الإسلامي وتمكنها من حصد أغلبية النواب؟
- سمعنا مثل هذه الاعتبارات والتحذيرات، لكني أعتقد أن الاعتبارات الأهم هي ضمان انتخابات حرة وفق قانون ونظام انتخابي ملائم.
تطرقنا في لجنة الحوار لموضوع الإسلاميين، لكننا تعاملنا مع القضية بطريقة ديمقراطية صحيحة، وكان همنا ضمان وجود تمثيل صحيح في مجلس النواب. سمعنا من خارج اللجنة تحذيرات من أن الإسلاميين هم من سيستفيدون من نظام القائمة النسبية، وفي رأيي أن حصة التيار الإسلامي محفوظة لهم، ولا أعتقد أن حصتهم ستتعدى نسبا مقبولة من الجميع، كما هو الواقع. أعتقد أن ثمة مبالغة في التخويف من "بعبع" إخواني، وأنهم سيكتسحون الانتخابات، وأعتقد أن لذلك أسبابا مصلحية لدى جهات معينة تروجه.
• عدم مشاركة الإسلاميين في لجنة الحوار الوطني، ثم عدم قبولهم بمخرجات اللجنة ولا بمخرجات لجنة تعديل الدستور، ألا يعيق ذلك هذا التطور الديمقراطي او الإصلاح، وقيل إنكم بذلتم جهودا عديدة لإقناع الإسلاميين بالانضمام للجنة؟
- أنا من القائلين بأنه من الضروري أن تهيأ الظروف الموضوعية لمشاركة الحركة الإسلامية في الانتخابات، لأنها عنصر مهم في الساحة السياسية والعامة. وقد حاولت، والتقيت بهم اكثر من مرة لإقناعهم بالانضمام للجنة الحوار، وكنت صادقا في محاولاتي، بالرغم من عدم رضا جهات مختلفة، وتمكنا من وضع بند التعديلات الدستورية على جدول أعمال اللجنة كما كانوا يطالبون، وقد وعدوني بالمشاركة باللجنة إن لبي طلب إدراج التعديلات الدستورية على جدول أعمال اللجنة، لكنهم لم يشاركوا.
أعتقد أنه يجب ان تكون هنالك نية صادقة من قبل الطرفين، الرسمي، ومن جانب الحركة الإسلامية، وليس هذا الأمر خاضعا لمؤامرات سياسية، أو صفقات ما، موضوع النظام الانتخابي والإصلاح أمر مهم جدا، ويجب ان تتعاون معهم الجهات المعنية، وأن يشارك الإسلاميون في الانتخابات المقبلة.
• في لجنة الحوار الوطني ما هو أبعد من إنجازها للوثيقة الإصلاحية وقانوني الأحزاب والانتخاب، في رأيك هل يمكن استعادة أسلوب الحوار المنتج بين الأضداد السياسية؟
- صحيح، هناك في لجنة الحوار الوطني ما يمكن من خلاله التأسيس لحالة سياسية حضارية. ولا بد للحكومات أن تستفيد من هذه التجربة الفريدة، فمن خلال لجنة الحوار ساد مفهوم الوفاق، فقد خرجت بمفهوم جديد إلى حد ما، فكل القوى السياسية، بتنوعها واختلافها، وبعد فترة بسيطة من التفاعل ووجود النوايا الحسنة، والإدارة الجيدة، استطاعت التوافق على كل ما ورد في الوثيقة ما عدا أمور بسيطة.
ومن خلال لقاءاتي مع جلالة الملك ومع الحكومة، فقد ركزت على مفهوم الوفاق، لأني أجد أن بلدنا بحاجة للوفاق، والوصول له عن طريق الحوار المفضي إلى نتائج.
قد يقول قائل إن الوفاق الناشئ عن لجنة الحوار الوطني جاء نتيجة أن حلقة الحوار ضيقة، لكني أرد على ذلك أن هذه الحلقة الضيقة احتوت على 50 فكرا ووجهة نظر ورأيا وحزبا وموقفا، لذلك فهي كانت انتصارا لفكرة الوفاق الوطني على قضايا جمعية.
على الجميع ان يروج ويسعى لخلق حالة من التوافق على قضايانا المهمة والاستراتيجية. وهنا أحب أن أسجل هذا الإنجاز، غير المباشر، للجنة الحوار.
• على إيقاع حراك الشارع، هل تعتقد أنه يخدم الإصلاحات من خلال ضغطه على مراكز القوى، أم أنه سيعيق الإصلاح لتبعثره وتشتته، كما يرى البعض؟
- بالتأكيد أن الحراك يخدم الإصلاحات، صحيح أنه متشتت لكنه كله ضمن التيار الذي يسير في اتجاه واحد وهو الإصلاح، صحيح أنه متفاوت القوة ومتباين التأثير، لكن مفهوم الإصلاح عنده واحد وعناوينه واحدة، في الإصلاح ومكافحة الفساد والديمقراطية.
قد يكون هناك اختلافات ما بين الحراكات في الشارع من حيث التشدد أو المرونة، لكن توجهاتها، في المجمل، وطنية وتفيد مسيرة الإصلاحات في البلاد.
• برأيك، ما هي كلمة السر أو المفتاح السري للخروج من أزمة عنق الزجاجة التي نمر بها؟
- بالإرادة السياسية الصادقة والجادة، والتي صارت متوفرة اليوم، وبالولاية العامة للحكومة، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى دستوري وقانوني، وهذا يعني أن يتحمل مجلس وزراء كامل المسؤولية عن كل أجهزته المدنية والأمنية، ويديرها بانسجام تام، بعد أن يوفر التناغم فيما بينها، وأن تكون هذه الإدارات تحت مظلة مجلس الوزراء وسيادته.
• برأيك كيف يمكن استعادة ثقة الشارع في الانتخابات المقبلة، سواء البلدية، أو النيابية؟
- أولا بقانون انتخاب جيد، يساهم في تنمية الحياة السياسية والحزبية، وإجرائها بمنتهى النزاهة والشفافية. وقبل ذلك بتهيئة أجواء صحية تؤكد عزم الإرادة السياسية، عبر الحكومة، بإحداث الإصلاحات المنشودة، وإظهار هذه الإرادة جادة في الذهاب للإصلاح والتحرر السياسي. الأمر الذي سيقنع شخصيات وطنية أن تخوض الانتخابات، وأن لا تترك الساحة، فكثير من هذه الشخصيات تركت الساحة لعدم قناعتها بجدية الإصلاح، وعدم جدوى العمل العام في ظل تهميش مؤسسات بذاتها.
• اليوم وعلى إيقاع ربيع الثورات العربية، ما هو النموذج الأكثر تأثيرا في الأردن؟
- من خلال ما حصل في تونس وانهيار النظام المفاجئ لبن علي، وما حصل في مصر لمبارك ونظام حكمه، كان واضحا لي أن النظامين كانا معتدّين بنفسيهما أكثر من اللازم، فرفضا ضغط الشارع، حتى انفجرت الأزمة نتيجة التباطؤ في فهم حركة الشارع، إلى أن خرج بن علي ذليلا يقول لشعبه "الآن أنا فهمتكم"، وعرفت أن نهايته باتت وشيكة، ولدى مشاهدتي لتداعيات الحراك المصري، الذي وقف في ميدان التحرير يطالب فقط بإلغاء حالة الطوارئ، ثم صارت مطالبه تتصاعد، إلى أن كانت "موقعة الجمل" حدا فاصلا في تحدي الشعب المصري لغطرسة نظامه، فأصبح النظامان عبرة لكل الأنظمة، وهو ما حملته ناصحا لجلالة الملك، الذي كان في الأساس عازما على تحقيق الإصلاحات، وبدأ فعلا قبل ذلك بأشهر، بالعمل على ذلك.
وفي اجتماع لكل رؤساء المؤسسات الأمنية والمدنية أمام جلالة الملك، في عهد رئيس الوزراء السابق سمير الرفاعي، قلت ووجدت من أيدني في ذلك، إن الله أعطانا فرصة لنتعلم من غيرنا من تونس ومصر، ويجب أن نستخلص العبر بسرعة، فهناك فرق بيننا وبينهم، في تلك الدول هناك مشكلة بين الشارع والنظام السياسي، أما نحن فلا مشكلة للشارع مع نظامه، لكن المشكلة تكمن مع الأشخاص والسياسات والنهج، ويبدو أن هناك جهة، جميعنا يعرفها، تعمل على إزالة "الفيوزات" من علب الحكم تلك لتسقط، وأستذكر مثال رئيس الاتحاد السوفياتي السابق ميخائيل جورباتشوف، الذي كان يسحب من دول الاتحاد "الفيوزات" فتسقط واحدة تلو الأخرى، وهذا ما أراه يتكرر في العالم العربي.
نحن غير ذلك، نحن نختلف عنهم، نحن نمتلك رؤيتنا الاستراتيجية وقيادة جريئة، وعلينا أن نستشرف المستقبل ونفعل الحدث قبل أن نجبر عليه، لذلك مطلوب منا أن لا ننتظر نزول الناس إلى الشارع، مطلوب منا أن نستبق كل ذلك، وطرحت أمام جلالته أن أولى الخطوات التي يجب علينا المبادرة اليها، هي تغيير الحكومة، طبعا اعتذرت من سمير الرفاعي، لكن كان واجبي يحتم علي أن أقول رأيي، بما يخدم المصلحة الوطنية في وقتها، وقلت إنه لا يكفي تغيير الأشخاص، بل يجب علينا تغيير النهج، وبينت أن تغيير النهج يعني تغيير السياسات، وطريقة التصرف والأشخاص.
وكنت حقيقة متخوفا من تداعيات ثورتي مصر وتونس، وانعكاسهما على واقعنا هنا، فقد كانت مطالب الشارع في تصاعد مستمر، كان هذا الكلام قبل استقالة حكومة الرفاعي بـ10 أيام.
طبعا، لو سألتني بعد هذا الكلام ماذا جرى، تلك قصة أخرى، لكن كان هذا رأيي وما أزال متمسكا به، ولذلك قلت إنه لم يعد كافيا إجراء الخطوة الواحدة، نحن بحاجة لحزمة من الخطوات، تحملنا إلى الأمام بثقة وتمكن. وهذه الحزمة هي التي تبدأ تدريجيا بامتصاص احتقان الشارع، وتجسر الهوة بين الحاكم والمحكوم. وهذه الحزمة ستهيئ الأجواء، التي معها قد نستعيد ثقة الشارع، لكن هذه الحزمة يجب أن تدرس جيدا قبل إعلانها للشارع، وبعد ذلك السير بها بإرادة وعزيمة جادة، حتى نستعيد من خلال ذلك دور مؤسساتنا وثقة شارعنا.
أعود وأكرر هناك فرق كبير بين ما يجري عندنا والثورات العربية، شارعنا واع، ويريد أن تدوم عليه نعمة الأمن والأمان والاستقرار، لكن في الشارع أيضا حقد على الأخطاء والفساد، وأعتقد أن الشارع استطاع أن يوازن بين الحالتين في مطالبه، فهو يريد الحفاظ والإبقاء على نعم الأمن والاستقرار، لكنه يريد مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاحات. لذلك لم تنزف عندنا نقطة دم واحدة، وهذا دليل وعي الشارع، ولذلك يجب استيعاب الشارع والتعامل معه على أرضية من تكامل الأدوار، واستغلال هذا الحراك الوطني للاستمرار في الإصلاحات، والتمسك بها من قبل الحكومات.
•  لنأت على وثائق "ويكيليكس"، التي ألقت حجرا كبيرا في الحياة السياسية الأردنية، وأثارت لغطا وجدلا، بل وحربا شعواء في أكثر من اتجاه. طاهر المصري كان في قلب هذا الجدل، بعد أن تضمنت بعض الوثائق تصريحات وآراء منسوبة إليه، ماذا تقول؟
- أولا؛ من المنطقي والطبيعي، ووفقا للمناصب التي تقلدتها، أن التقي دائما بأجانب ودبلوماسيين، من كل دول العالم. نعم يقصدني السفراء الأميركيون وآخرون، وأبدي آرائي، وهذا جزء من واجبي، ولكن مواقفي وآرائي لا تحتمل التأويل. هناك سوء تقرير في بعض ما قرأتم في الوثائق.
ثانيا؛ ثمة سوء تقييم في وثائق السفارة، فالسفير بحث معي موضوع الفلسطينيين واللاجئين في الأردن، ونقل عني مقولة أن "لحظة الحقيقة" اقتربت ليحسم الأردن موقفه من اللاجئين.
إقول إنني من القائلين دائما، بل ومأخذي على الحكومات، أنه ليس لدينا استراتيجية للتعامل مع سيناريوهات تطورات القضية الفلسطينية، وسبق أن ناقشت ذلك مع الدكتور معروف البخيت.
أنا أرى أنه يجب ان يكون لدينا متخصصون ودراسات توضع، ومخططات تعد للتعامل مع مختلف التطورات الممكنة على صعيد القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل.
كنت أقول إن القضية الفلسطينية تمر بمأزق خطير، فما هي سياستنا تجاه هذا الموضوع، ألا نريد كدولة وحكومة أن نضع خطة مبكرة، تضم سيناريوهات متوقعة وخيارات متنوعة للتعامل مع التطورات المتوقعة؟ لو تمت المصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية، فما هي خياراتنا كأردن، لو نجحت حماس فما هو دورنا وموقفنا، لا بد من أن نضع خطة واضحة ورؤية استراتيجية بعيدا عن مجرد الكلام والبيانات والتصريحات، ويجب أن نكون جاهزين لأي احتمال. 
بعض الوثائق تطرقت لموضوع الأرقام الوطنية وسحبها، وهذا ليس موضوعا نخفيه، ونتحدث فيه بصراحة أمام جلالة الملك، وفي التصريحات الصحفية، لكن الحساسية التي تثيرها مثل هذه القضية تكمن في أنها مرتبطة بقضية الهوية والمواطنة، فيما يتوجس الناس كثيرا من المسؤولين وتغيب الثقة.
أعتقد أنه بات ملحا اليوم أن نضع موضوع الهوية والمواطنة على طاولة الحوار الوطني المسؤول، لا يجوز أن نبقي هذا الجرح مفتوحا، ونبقى نتحدث فيه. أعتقد أن هناك فئات سياسية ومجتمعا مدنيا تقوم بتحضير مواقف ومناقشات وحلول لطرحها حول هذه القضية المحورية، ضمن جهد وطني مسؤول، للوصول إلى تفاهمات وتوافقات وطنية، وبانفتاح، وبعيدا عن التجاوزات أو الاعتداء على حقوق أي مواطن.
لا يجوز مواجهة المواطن الأردني، من أصل فلسطيني، إن تحدث عن أردنيته، بأنه يسعى إلى الوطن البديل، ولترْك فلسطينيته، وأن هذه "خيانة". في حين لو قال إنه فلسطيني، فسيُتهم بأنه إقليمي.
كذلك، لا يجوز أن يخرج سياسي أو مأفون إسرائيلي بتصريح او حديث عن نوايا او خطط "الوطن البديل" في الأردن، وأن ندفع نحن في الأردن ثمن هذا التصريح او التخريف، وأن نتقاتل بيننا. المطلوب لمواجهة هذه الأطماع والمواقف العدائية الإسرائيلية، التماسك الأردني، وتعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية الجبهة الداخلية، لا أن ندخل في حرب اتهامات وتقسيمات ومس بالوحدة الوطنية.
ويجب أن لا يغيب عن بالنا ان إسرائيل وأجهزتها لن تتورع في مواصلة بث مثل هذه التصريحات والتهديدات للأردن، مستهدفة اساسا بث الفرقة والمس بتماسك الجبهة الداخلية.
• لكن هل تعتقد أن "ويكيليكس"، وما أحدثته من تشويش على طاهر المصري، قد أثرت في مواقفك وفي شعبيتك؟
- في هذا السياق، لا أحب أن أكون في موضع الدفاع عن النفس، فعلى مر سنوات خدمتي في الدولة الأردنية، كان رأيي في المجالس المغلقة يماثل رأيي على المنابر المفتوحة، لا أوارب في مواقفي، وما نقل عني في الوثائق، هو محض فهم السفير الأميركي لتصريحاتي أو وجهة نظري، فلا يجوز تحميلي أنا مسؤولية عدم فهم السفير لما قلته، والذي نقله بطريقه غير تقريرية أو تحريرية عني.
حتى إن بعض الكلمات في اللغة الإنجليزية، التي نسبت لي، هي غير موجودة في قاموسي، وصدقني أني عدت إلى القاموس لأعرف معناها.
• لكن قد تكون اليوم مضطرا للرد على هذا التحريف في النقل؟
- أنا رجل لي تاريخ طويل في العمل السياسي في الأردن، فمن السفارة، إلى الوزارة، إلى مجلس النواب، ورئيس حكومة، وأخيرا رئيسا لمجلس الأعيان.
وفي هذا المقام، قد أكون قد خضت العمل العام داخليا وخارجيا، وكنت ناقلا أمينا للموقف الأردني حيال قضاياه ومشاكله إلى الخارج، من خلال عملي كسفير وكوزير خارجية ورئيس وزراء، وكل ذلك كان علنا ومسجلا ومعروفا.
حتى بعد خروجي من الموقع العام، حين أصبحت حرا طليقا، ظل هذا هو موقفي حيال القضايا الأردنية والعناوين الداخلية الأكثر جدلية وسخونة.
وحتى في محاضراتي، ما أزال أحذر من الخطر الإسرائيلي والمؤامرات الإسرائيلية، والتمسك بحق العودة وعودة اللاجئين، وعدم التنازل عنه بأي شكل من الأشكال.
فلا يعقل أن يؤخذ كل هذا الإرث من المواقف الواضحة والمحددة والجريئة في بعض الأحيان، بجريرة سوء تقرير أو خطأ في نقله من قبل مسؤول أميركي، خصوصا أن ما نقل عني ليس نصا على لساني أو تصريحا، لكنه تحليل دبلوماسي لمواقف معلنة لي.
• لكن لماذا يظل سؤال المواطنة والهوية، سؤالا معلقا، لماذا يهرب المسؤول من الإجابة عليه بشكل مباشر؟
- أعتقد أنه آن الأوان لمواجهة هذا السؤال، وعلى الحكومات والنخبة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والأحزاب، التعامل مع ذلك بمستوى عال من الجدية، وأن لا يبقى هذا الأمر مسكوتا عنه، أو يمارس معه ما يمكن تسميته "بالطبطبة"  أو أن يظل تحت الرماد.
يجب فتح الجرح والشروع بتنظيفه، وأن ننطلق انطلاقة جديدة نحو المستقبل، فموضوع المواطنة الأردنية والهوية الأردنية يجب أن لا يكونا موضع خلاف، مهما كانت التفسيرات والمواقف السياسية.
وأظن أن هناك حراكا سياسيا في هذا الاتجاه من قبل فئات متعددة، تقوم باستكشاف ما يمكن عمله في هذا الموضوع، وسأكون داعما بقوة لمثل هذه الجهود، لأنني أعتقد أنه في ظل ما يدور في الأمم المتحدة، وفي ظل الدعوة الإسرائيلية الخبيثة حول إقامة "الوطن البديل"، يجب أن نكون نحن أقوياء، ونجابه ذلك، وأن لا نقف ضعفاء أمام هذه الطروحات الهزيلة، من خلال التفرقة والتشتت والانقسام، بل يجب التأكيد على وحدة الموقف، ووحدة الصف والتضامن السياسي والاجتماعي، ويجب الانتباه لخبث المؤامرة الإسرائيلية، الساعية لإحداث شرخ أو ثغرة في الجبهة الأردنية، ووحدة الصف الأردني، لتنفذ من خلالها.
وكلما زادت خيوط المؤامرة وتعقدت، يجب أن لا نضعف ولا نتفتت، بل على العكس يجب أن نتكاتف ونتوحد لمواجهة أي مؤامرة أو خطر.
في هذا المقام، فقد شاركت في العديد من الاجتماعات والجلسات خلال الست أو السبع سنوات الماضية، مع مجموعات نخبوية، لوضع وثائق حملت عناوين الهوية والمواطنة، صحيح أن هذه الوثائق لم تنشر، لكنها قدمت وجهة نظر قد تساعد صاحب القرار على التعامل مع هذه القضية بشكل إيجابي، يمتن الجبهة الداخلية ويحصنها من الأخطار، من خلال ربط مفهوم المواطنة والهوية بحق العودة. فثلاثة عناصر يجب أن تبقى: وهي المواطنة الأردنية، والهوية الأردنية، والحفاظ على حق العودة والتمسك به، وهو المثلث الذي لا يجوز لأحد المساس به.
• ما رأيكم في خطوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالتقدم للأمم المتحدة بطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟
- الخطوة الفلسطينية مهمة جدا، وخطاب أبو مازن كان موفقا وجيدا.
وطالما أن الفلسطينيين والعرب قرروا أن يسيروا بالحلول السلمية والمفاوضات مبكرا، ووصلنا إلى الحائط مع العقلية الإسرائيلية، فقد آن أوان الخطوة الدبلوماسية، بالانضمام إلى الأمم المتحدة. لا خيار أمام الفلسطينيين والعرب إلا الحلول السلمية، وهي خطوة صحيحة. الموقف الأميركي كان سيئا جدا، فيما الموقف الأوروبي غير إيجابي تجاه الحق الفلسطيني.
لا أعتقد أن مسعى الحصول على اعتراف كامل بالدولة الفلسطينية سينجح، لذلك، وعلى الجانب الأردني، يجب أن نكون منتبهين اكثر من السابق. على الدولة الاردنية والمجتمع الاردني ان يعززا اللحمة الوطنية والتماسك الداخلي، لمواجهة أي أطماع أو سيناريوهات إسرائيلية.
• هل يمكن التعامل ببراءة وحُسن نوايا مع محاولات، نجحت بشكل كبير، في تفريغ شحنة الغضب حول أطروحة الوطن البديل، وحرف المشكلة من الخارج الى الداخل؟ هل تعتقد أن هناك جهات ما عملت بتخطيط على حصر المسألة وتفجيرها داخليا، بدلا من توجيهها تجاه مطلقتها اسرائيل؟
- ثمة نوعان من الناس؛ الأول نوع متآمر، وهم الأقلية، ولديهم أجندة، واستطاعوا بذكاء إدخال الخوف في قلوب الأردنيين. لكن الأغلبية العظمى من المواطنين يخافون ويخشون حقا على الوطن، وتشكل قضية هذه التهديدات الإسرائيلية هاجسا وهما لهم، من منطلق وطني مشروع، فأمامهم تاريخ القضية الفلسطينية، ورأوا كيف أن إسرائيل حققت أهدافها بتهجير الفلسطينيين، وسط تواطؤ وتآمر دوليين، فتشكل هاجس وطني بأن الأردن مستهدف، وأن الأردنيين مستهدفون في بلدهم، وأنه مطلوب منهم استيعاب الفلسطينيين في الأردن، وترحيل أزمة الاحتلال الإسرائيلي.
نقول إنه لا يوجد أردني ولا فلسطيني يقبلان بإقامة وطن بديل للشعب الفلسطيني في الأردن. وللعلم فلو قبل أحد الطرفين، الأردني أو الفلسطيني، بأطروحة إسرائيل في قضية الوطن البديل، لسعت إسرائيل إلى تحقيقها.
أعتقد أنه آن الاوان لأن يكون هناك جهد مدني، سياسي وثقافي وإعلامي، لوضع رؤية وطنية توافقية للتعامل مع التهديدات الإسرائيلية المتواصلة، عبر تصريحات ومحاضرات وتسريبات صحفية ضد الأردن وسيادته، بخاصة وأن بث مثل هذه التخرصات يجد أحيانا صدى في ساحتنا الداخلية.

mohammad.rawashdeh@alghad.jo

التعليق