إبراهيم سيف

ماذا يعني اقتصاد السوق الاجتماعي؟

تم نشره في الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

بات يجري تداول هذا المصطلح محليا مع قدوم حكومة معروف البخيت الثانية. وتجدد الحديث عنه مع إقالة محافظ البنك المركزي الشريف فارس شرف، ووصفه بأنه "ليبرالي". واجتهد كثيرون لتبيان أن "ليبرالي" لا تعني شيئا، وهي منهجية تفكير لا تعيب أصحابها. لكن ما المقصود باقتصاد السوق الاجتماعي، ومن هم أنصاره، وما هي الأسس التي قام عليها هذا المبدأ؟
بقليل من البحث يمكن القول إن المبدأ متبع في ألمانيا، وتم إرساء دعائمه من قبل عدد من الباحثين الاجتماعيين والاقتصاديين في مطلع الستينيات من القرن الماضي. ومقاربة هذا النموذج ليست صعبة، فهو يقوم على مبدأ الملكية الخاصة، وحرية التجارة الخارجية، وتحديد الأسعار. والخلاف ما بين الصيغة الألمانية والصيغ الأخرى من الرأسمالية يتعلق بما يمكن للدولة أن تلعبه فيما يخص النفقات الاجتماعية المتعلقة بالصحة، والتعليم، ونفقات التقاعد، وتأمينات البطالة.
إن اقتصاد السوق الاجتماعي خليط دقيق من الاشتراكية وحرية الأفراد، لكن لم يرغب الألمان في استخدام كلمة "اشتراكية" نظرا لأن المبدأ أقر إبان الحرب الباردة والمعسكرين الشرقي والغربي، لذلك تم اختيار مصطلح "اجتماعي" من قبل الأحزاب السياسية التي كانت تتنافس على الحكم. والتوازن المطلوب يقوم على تضخم محدود (مهمة البنك المركزي)، والحد من البطالة وتوفير ظروف العمل اللائق، وتحقيق مستوى مقبول من الرفاه. كما يتيح هذا النظام إمكانات كبيرة فيما يخص المفاوضات الجماعية والعمالية والتي تحقق التوازن المطلوب.
كذلك، يقوم المبدأ على أساس ممارسة الدولة لدورها في ضمان تكافؤ الفرص، ليس فقط في الحصول على الوظائف، بل في التأهل لتلك الوظائف من ناحية الحصول على التعليم والتدريب اللازمين. أما القطاع الخاص، فتقع على عاتقه مسؤولية مجتمعية وبيئية.
فأين نحن من ذلك في الأردن؟ ما تزال فجوة الدخل بين فئات المجتمع عميقة، والسياسات المتبعة، لاسيما الضريبية منها، لا تذهب باتجاه المبدأ الذي ننادي به؛ فضريبة الدخل على الشرائح العليا من الدخل في دول تتبع المبدأ تصل إلى أكثر من 60 في المائة في بعض الحالات، ومقابل ضرائب الدخل المرتفعة هناك خدمات لا تضاهى في مجال التعليم والصحة، وبنية تحتية وفوقية لا مثيل لها. كذلك، هناك أنظمة سياسية ديمقراطية تقوم على مبدأ المساءلة والشفافية شبه المطلقة فيما يتعلق بالإنفاق العام.
وإذا انتقلنا إلى الجوانب الإنتاجية في الاقتصادات التي تتبع هذا المبدأ، سنجدها عريضة ومتنوعة، ولن نجد مفهوم دعم السلع المشوه، أو طلبات الحماية التي لا تنتهي، أو التشوهات السعرية والتركز في الأسواق وتحديد هوامش ربح مرتفعة، كما هو حاصل في سوقنا المحلي. كذلك، لا توجد عجوزات في الموازنة بعد وقبل المساعدات، وخلل مزمن في الميزان التجاري.
هل يمكن الحديث عن توازن معقول بين الفئات المختلفة محليا؟ وكيف نبدأ الطريق لاتباع مبدأ تطور على مدى سنين، وأفرز أحد أمتن الاقتصادات العالمية وأكثرها توازنا، نقصد الاقتصاد الألماني؟
نتمنى لو تحقق جزء من مبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي كما أرساه أصحابه، ولكن يبدو أن لنا نسختنا الخاصة؛ وهذا ليس معيبا، ولكن ما هي الأسس التي على أساسها نعمل على ترجمة تلك المبادئ، ومن هم الفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون في تحقيق ذلك؟ الأكيد أن البنك المركزي ليس هو المؤسسة المعنية بهذا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كيف يمكن أن يخرج الدول العربية من عنق الزجاجة؟ (أمين)

    الاثنين 16 تموز / يوليو 2012.
    حسب رأيي يجب في بادى الامر أن يتم تغليب المصلحة العلبا للبلاد على المصالح الضيقة للشركات الاحتكارية الكبيرة و التكتلات المالية العملاقة التي تضم البنوك الاولى في العالمة,كما يجب علينا توسيع الطبقة الوسطى كصمام أمان لامتصاص التوترات الاجتماعية بمعنى آخر "أنسنة" النظام الرأسمالي و الذي لن يتم الا بم يعرف ب"اقتصاد السوق الاجتماعي"
  • »ألطريق الثالث (د. عادل)

    الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2011.
    يأتي الاهتمام المتزايد بمبادئ اقتصاد السوق الاجتماعي وتطبيقاته، محلياً ودولياً، مدفوعاً بالعديد من الأحداث العالمية والاقليمية الهامة، أبرزها الازمة المالية والاقتصادية العالمية التي جاءت محصلة للتحرر المالي الدولي ويماثلها البعض بالكساد العظيم في الثلاثينيات من القرن الماضي، وكذلك جاء الاهتمام بفلسفة الاقتصاد الاجتماعي جراء الارتفاعات الحادة والمتكررة في أسعار السلع والمواد الاولية عالمياً (بما فيها النفط والمواد الغذائية)، الى جانب تداعيات "الربيع العربي". وبطبيعة الحال، أدت هذه الاحداث الكبيرة الى الضغط باتجاه مراجعة اسس ومنطلقات السياسة الاقتصادية الليبرالية في العالم ككل. وبهذا الخصوص، لدي بعض النقاط العامة:
    1- أثبتت الاحداث الحاجة الماسة الى ما هو أبعد من قوى السوق الحرة، رغم ان الادبيات الاقتصادية حبلى بنقائص وعيوب تدخل الدولة في الاقتصاد. وكما يقول الاقتصادي جميس بوكنان :" اذا أخفقت كل من الاسواق والحكومات، ما هو البديل التنظيمي؟".الاجابة على هذا السؤال الهام معقدة ولكنها أساسية للمستقبل. أعتقد بأن المرحلة القادمة ستشهد اهتماماً متصاعداً بدور ما يعرف ب "رأس المال الاجتماعي" والقيم الاخلاقية في بناء الاقتصاد عموماً، بعيداً عن التأثير المهيمن لمبادئ الليبرالية المحدثة.
  • »كيف لنا ان نحقق التوازن بين الاقتصاد الاجتماعى والليبرالية الراسمالية (محمود الحيارى)

    الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2011.
    كنا نتوقع ان يجبنا الكاتب المبدع على السؤال الذى ينتظر الاجابة وهو كيف لنا ومن خلال نسختنا الوطنية ان نحقق التوازن مابين الاقتصاد الاجتماعى والليبرالية الراسمالية ؟وهل صحيح ان المزج بينهما يمثل الطريق الصحيح والخيار الامثل لنا ام ماذا؟وهل من خلال التزاوج بينهما نكون قد وصلنا الى خارطة طريق لحل التحديات التى تواجهنا وحل مشكلتى الفقر والبطالة والوصول الى الحاكمية الرشيدة وتحقيق الشفافية وجذب الاستثمارات المحلية والاقليمية والعالمية ووقف الفساد بكل اشكالة.نشكر الكاتب الاقتصادى المبدع والشكر موصول للغد الغراء للسماح لنا بالمشاركة عبر فضائها الحر