دروس عن الغذاء للدول النامية

تم نشره في الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

في ستينيات القرن الماضي، كانت مصر والهند في مقدمة دول عديدة من العالم الثالث تعيش حالة طوارئ من سنة لأخرى بانتظار وصول بواخر القمح الأميركي. فلم يكن لديهما مخزون احتياطي ثابت لعدد كاف من الأشهر على مدار السنة، وكان يقال على سبيل التندر إن احتياطي الهند ومصر من القمح موجود في صوامع الحبوب الأميركية في كنساس.
لم تكن مصر قد بدأت تجني كامل مكاسبها بعد من السد العالي، واقتصادها الريعي القائم على القطن حينها كانت تواجهه مخاطر تسويقية وتنافسية عالية، وكان ولا شك يوفر لها عملات صعبة لشراء جزء من احتياجاتها من القمح، لكنها بدأت تدرك أنه قد يتوفر لديها المال لشراء القمح لكنه قد لا يتوفر لها من يبيعه لها.
الهند شريكة مصر آنذاك في نكسة عجوزات القمح، كان الرئيس الأميركي آيزنهاور قد عقد مع حكومتها العام 1959 اتفاقية لأربع سنوات لإمدادها بستة عشر مليون طن من الحبوب ومليون طن من الأرز سنوياً، ما أبطأ الحكومة الهندية عن توجيه موارد إضافية رئيسية للاستثمار في إنتاج المزيد من الحبوب.
ماذا عن اليوم؟ الهند التي كانت 400 مليون نسمة أصبحت نحو 1000 مليون نسمة، ومصر التي كانت 35 مليون نسمة هي اليوم 80 مليون نسمة. لكن الهند تكتفي من القمح وتصدر بعضاً من إنتاجها مستفيدة من معطيات العلم وتكنولوجيا الثورة الخضراء، وقبل ذلك من إرادة سياسية وطنية مستقلة. بينما مصر اليوم أكبر مستورد للقمح في العالم، وضمان أمنها الوحيد أمام انكشاف غذائي محقق هو نيلها وسد عبدالناصر العالي.
الدولتان تواجهان اليوم نفاداً متسارعاً لرصيد الثورة الخضراء التقني بعد استخدام شبه كامل تقريباً لتقنياتها من سلالات البذار المحسنة والمخصبات ومكافحة الآفات والميكنة وعمليات الفلاحة الجيدة. لكن ما هو أكثر خطراً بالنسبة لهما معاً هو هذه المعدلات العالية للنمو السكاني التي تعتبر الأعلى في العالم، ما قد يبدد كافة الجهود التي تبذلانها لإنتاج المزيد من الحبوب وغيرها من المواد الغذائية الأساسية الضرورية.
خلاص الهند قد يكمن جله في السيطرة على الانفجار السكاني لبلد يصل تعداده إلى نحو مليار نسمة، وبالمحافظة على ذات المستوى العالي من الاستخدام لبواقي أرصدة تقنيات الثورة الخضراء. أما مصر، فلديها فرص أفضل تتمثل في رصيد أكبر غير مستخدم من قبلها بعد من تقنيات الثورة  الخضراء، بالإضافة إلى فرص أكبر للجم انفلات معدل نمو السكان. وتملك أيضاً حلمها القومي للغذاء الذي تشاركها فيه دول عربية غير نفطية عديدة. حلم إن صفت الإرادة لا يحتاج بلوغه إلى معجزة كقيام الوحدة العربية الشاملة، أو الوحدة الاقتصادية، ولا حتى السوق العربية المشتركة، بل يكفيه فقط الشروع بإقامة المشاريع العربية المشتركة لإنتاج الغذاء في مواقعها المناسبة في الأقطار العربية المختلفة، على أساس من الميزة النسبية.
درس الارتفاع الحاد والمفاجئ لأسعار الغذاء العام 2008 يكاد يتكرر كل عام بذات أسبابه التقليدية التي نعرفها عن مخاطر الزراعة والتغير المناخي وتسييس أسواق الغذاء، وغير التقليدية مما يستجد من أسباب كالمضاربات على الغذاء في أسواق المال كما حصل في العام 2008. ومن المؤسف أن دول العالم الثالث غير مبالية بأمنها الغذائي الذي يزداد انكشافاً. وكذلك هو حال الدول العربية، رغم ما تمتلكه من فرص تكاملية هائلة. فهي غير قادرة بعد على استجماع إرادتها ولو بحدها الأدنى بما يكفي للخطوة الأولى على طريق التكامل الغذائي المتمثلة في إرساء برنامجها القومي لبناء المشاريع المشتركة لإنتاج الغذاء.

akaf.alzoubi@alghad.jo

التعليق