عيسى الشعيبي

يوم فلسطيني له ما بعده

تم نشره في الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

 كان يوم الجمعة، يوماً فلسطينياً خالصاً في الأمم المتحدة، ليس فقط لجهة الترحيب الحار بخطاب الرئيس محمود عباس، ولا لجهة احتلال المسعى الفلسطيني موضع القلب من جدول أعمال المنظمة الدولية فحسب، حيث بدا وكأنه البند الوحيد على الأجندة الأممية، وإنما كذلك لجهة تهافت الكلمة التعقيبية التي ألقاها بنيامين نتنياهو، الذي بدا كمن كان يحاضر أمام جمهور فرع من فروع حزب الليكود في مستوطنة إسرائيلية للمتدينين.
فقد كان المشهد الفلسطيني أمام مندوبي 193 دولة، أقرب ما يكون إلى ذلك المشهد الباذخ الذي وقف فيه الراحل ياسر عرفات بكوفيته ومسدسه ومضائه الثوري عام 1974، لأول مرة على منبر الجمعية العامة في نيويورك، حاملاً بندقية الثائر بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى، داعياً المجتمع الدولي إلى عدم إسقاط الغصن الأخضر من بين أيدي شعب لم يكن يعرف في حينه لغة للتخاطب غير لغة الكفاح المسلح.
ذلك أنه مع هذا اليوم الذي سيكون له ما بعده، فإنه يمكن القول إن هذا الخطاب الذي صفّق له العالم وقوفاً عدة مرات، قد دشن لمرحلة كفاح فلسطيني جديدة، تقوم على مزيج متعادل من العناصر الفعالة، المتراوحة بين المقاومة الشعبية المدنية، والمقاربات الجديدة لواقع انقسام داخلي ذوت أغلب ذرائعه، فضلاً عن إنتاج عملية تفاوضية جديدة، بحاضنة إقليمية دولية جادة، ذات أجندة وآلية واضحة، ومرجعيات محددة، أساسها قرارات الشرعية الدولية.
وهكذا فإنه يمكن اعتبار هذا اليوم على أنه لحظة مواتية، انتزع فيها الفلسطينيون مصادقة دولية، هي الأوسع نطاقاً، على صدقية روايتهم التاريخية، وحصلوا خلالها على تفهم هو الأكثر ملموسية لدى العالم حيال عدالة قضيتهم، ومشروعية مطالبهم في الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية، ناهيك عن الترحيب من نحو ثلثي أعضاء المنظمة الدولية بطلب اعتماد فلسطين عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة.
وقد تكون إحدى أهم النقاط الثمينة التي تم انتزاعها في هذا اليوم الفلسطيني بامتياز، تتجلى في مظهر نادر من مظاهر الثبات على الموقف أمام طغيان الدولة العظمى، وعدم الاستجابة لتحذيراتها، أو قل تهديداتها السافرة إزاء التقدم بطلب العضوية الكاملة لمجلس الأمن الدولي، مع ما يعنيه ذلك في الحالة الفلسطينية المكشوفة تماماً، من عواقب ثقيلة، ترافقها تهديدات إسرائيلية فظة، قد لا تتوقف عند حدود العقوبات المالية فقط.
وليس من شك في أن الولايات المتحدة سوف تستخدم حق النقض لمنع حصول الدولة الفلسطينية على عضوية الأمم المتحدة، إلا أن واشنطن ستكون مرغمةعلى تجرع كأس الفيتو، ودفع أثمانه الأدبية والسياسية، بما في ذلك الوقوف وهي مجردة من كل ذريعة مقبولة لاستخدام مثل هذا "الحق" وربما فقدان مركزيتها المطلقة في كل عملية سلام محتملة، فضلاً عن احتمال تعرضها لردات فعل شارع عربي بات يُحسب حسابه، وهو البند الأشد وطأة على فاتورة غير مؤجلة الدفع ستخصم من الرصيد الأميركي الضئيل في هذه المنطقة.
ورغم أنه من المبكر إجراء تقدير للموقف في هذه الآونة، إلا أن اليوم الفلسطيني في الأمم المتحدة، كان ربحاً صافياً قدم فرصة سانحة للبناء عليها، وأشاع مناخاً من الجدارة والثقة بالنفس، فوق أنه شدد من طوق العزلة على إسرائيل وأضعف مكانتها المتدنية أكثر فأكثر، ووضع أميركا أمام خيارات لا تريدها في زمن الربيع العربي، فيما استردت القيادة الفلسطينية قدراً كبيراً من الثقة الشعبية التي كانت قد افتقدتها.
ومن غير أن نعرج على مضامين الخطاب الذي اختطف الاهتمامات وشاشات التلفزيون من فعاليات الثورات الشعبية العربية، فإن الصورة التي تركها هذا الخطاب في الأذهان، عن أداء دبلوماسي فلسطيني اتسم بالرصانة وتميز بالكفاءة، سوف تظل حاضرة في الأذهان ووسائل الإعلام إلى زمن مديد، وحاضرة أيضاً في الحسابات الإقليمية والدولية، وفوق ذلك ستبقى مفعمة بالمعاني والدلالات العميقة، لعل في مقدمتها خلق صلة الوصل التي كانت مفقودة بين الربيع العربي وربيع فلسطين الذي آن أوانه.

[email protected]

التعليق