إبراهيم سيف

السياسة النقدية واستقالة الشريف!

تم نشره في الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

منذ العام 1989، أي عام وقوع الأزمة الاقتصادية الصعبة التي مر بها الأردن، وما تلاها من تخفيض لقيمة الدينار، والتضخم الجامح الذي بلغ مستويات قياسية في الأردن خلال مطلع التسعينيات، تميزت السياسة النقدية في الأردن بالاستقرار والتوازن. وخلال بعض المراحل كنا نوجه بعض سهام النقد لبعض السياسات التي أخذت طابعا محايدا تجاه بعض المتغيرات المهمة التي كنا نعتقد أن بالإمكان لعب دور نشط فيها.
لكن الشيء الثابت هو أن هذه السياسة حافظت على هامش واسع من الاستقلالية الضرورية. وهذا ساهم، منذ تثبيت الدينار بالدولار في العام 1995، في ترسيخ الثقة بالعملة الوطنية. ورغم كل المتغيرات المحلية والإقليمية، كان هناك ثابت واحد: دينار مستقر، والمتغيرات الكلية المتعلقة بالدينار ليست موضع شك. ولم يخف د. أمية طوقان، المحافظ الأسبق، إصراره المتكرر على هدف محاربة التضخم كهدف وحيد للسياسة النقدية، وهي وجهة نظر قابلة للنقاش. وأذكر أننا خضنا حوارات حول ضرورة تضمين هدف النمو وتوظيف أدوات السياسة النقدية المختلفة، مثل أسعار الفائدة أو التوسع الكمي أو سعر الصرف، كأدوات داعمة للاقتصاد، ولكن الموقف في "المركزي" لم يتغير على أساس أن البيئة غير التضخمية تعتبر مناسبة للاستثمار، وهذا هدف لا يمكن الحياد عنه.
ومع قدوم المحافظ الشريف فارس شرف، لم تختلف تلك السياسات رغم أن الظروف تغيرت على نحو جذري في العالم، وباتت الكثير من الدول الرأسمالية يحمّل البنوك المركزية مسؤوليات جديدة متعلقة بضرورة أن تصبح هناك أهداف مزدوجة للسياسة النقدية (كبح التضخم وتحقيق النمو) خلال بعض الفترات الحرجة التي تمر بها الاقتصادات. لكن السياسة النقدية في الأردن استمرت على ذات الوتيرة، ولم نشهد تدخلات لافتة في مجال تلك السياسة على نحو يشير إلى تغييرات جذرية.
الهامش الذي تتحرك فيه السياسة النقدية هو أسعار الفائدة المحلية (وهي مرتفعة قياسا بدول عديدة)، وإدارة الملفات الداخلية، وتنظيم علاقة "المركزي" بالبنوك التجارية، والتحقق من سلامة الإجراءات والتوافق مع أفضل المعايير العالمية. وهذه ليست مهمات بسيطة، لكنها تأتي في المرتبة الثانية من حيث الأهمية فيما يخص صناعة السياسة النقدية التي تعتبر، إلى جانب السياسة المالية (المتعلقة بالإنفاق والضرائب)، الركائز الاقتصادية التي تضبط إيقاع الاقتصاد المحلي وتعكس الثقة بسلامة إجراءاتنا المحلية.
الحكومات المتعاقبة احترمت استقلالية "المركزي"، وهو ما منحه سمعة متميزة، والسياسة النقدية مستقرة ومعها الدينار، وهو ما شهدناه مع المحافظ الشريف شرف. وما يتم ترديده من أسباب دفعت إلى التغيير المفاجئ على رأس المؤسسة النقدية يرفع علامات استفهام، وبدلا من فتح الباب لتكهنات وروايات، فإن الأمر يستحق التوضيح حفاظا على سمعة إحدى أفضل المؤسسات الوطنية، وحفاظا على استقرارنا النقدي. فنحن اعتدنا تغييرات متوترة في المواقع الوزارية، ولكن ليس في مؤسسة البنك المركزي الذي يعتبر نموذجا للعمل المؤسسي الناجح.

التعليق