ويكيليكس.. وثائق بأنصاف الحقائق

تم نشره في الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

قول نصف الحقيقة كذب مكشوف، واختيار وثائق معينة ومنتقاة من خزائن المعلومات الكبيرة في وزارة الخارجية الأميركية لا يهدف إلا لخدمة أصحاب النوايا والأجندات المعيبة. والرهان على ضحالة وعي المجتمع وقدرته على تصديق الأضاليل التي يسوقها من ينتقون من وثائق ويكيليكس يسقط أمام أول سؤال عن مصير الوثائق الأخرى وأسباب الإحجام عن نشرها.
صدمتنا وثائق ويكيليكس عن الأردن وما تضمنته من سيناريوهات تقدم إلينا باعتبارها حقائق، وهي في الأصل مجرد ملاحظات كتبها سفراء الولايات المتحدة السابقون في عمان وأرسلوها إلى وزارة الخارجية الأميركية. وصدمنا أكثر اعتقاد البعض أن سفراء أميركا لا ينطقون عن الهوى، وأن ما يخطون على الورق بأيديهم البيضاء هو بالفعل وصف دقيق لوقائع المؤامرات السوداء التي تستهدف بلدنا.
هناك دائما نصف آخر للحقيقة، وهناك تأويلات وتفسيرات يختار منها سفراء أميركا ما يناسبهم، وما يخدم قناعاتهم وأهواءهم. ومن يكتب محضر الاجتماع يستطيع، إذا كان سفيرا لأميركا، أن يشطب ما يشاء من جمل وآراء لا تنسجم مع التوجه الأميركي أو مع رؤى سعادة السفير. لذا جاءت المحاضر الواردة في البرقيات المنشورة في ويكيليكس مجتزأة ومحيرة ومثيرة للتساؤل ومحشوة باستنتاجات غير منطقية.
في قراءة ما نشر حتى الآن من برقيات السفراء نلمح محاولة متعمدة لشيطنة شخصيات أردنية كانت وما تزال فاعلة في حياتنا السياسية، ومنها شخصيات تتمتع باحترام كبير بين الأردنيين على تعدد منابتهم وأصولهم، كما نلمح في هذه البرقيات أيضا ميلا لتلميع شخصيات أخرى وتقديمها في صورة المدافع الصلب عن المصلحة الوطنية، والمناضل الشرس في الدفاع عن الحقوق العربية، والمتصدي والمتحدي للرغبات الأميركية، رغم ما أحاط بهذه الشخصيات من لغط وضجيج بعد خروجها من مواقعها.
لم يبادر أحد إلى استجواب هذه التقييمات الهوائية ودراسة دوافعها والتحذير من نتائج تصديقها، بل انشغلنا في استجواب بعضنا حول ما جاء فيها، وكأنه نص مقدس لا يجوز التشكيك في صحته، وبدأنا بإطلاق الاتهامات المدفوعة بأحاسيس غرائزية بدائية، واستسهلنا تخوين الآخرين وتصديق ما ورد في شأنهم وما نقل عنهم في التقارير والمحاضر التي كتبها إدوارد غنيم وستيفن بيكروفت وديفيد هيل، والتي سرقها جوليان أسانج من أرشيف الخارجية الأميركية!
رغم قناعتنا باستحالة امتلاك السيد أسانج لهذه القدرة الخارقة التي تمكنه من السطو على أسرار الإمبراطورية الكونية بدون أن تتمكن "السي اي ايه" و"الإف بي آي" من وضع حد لنشاطه الخطير، فإن بعضا منا اختار أن يصدق مثلا ما ورد في "الوثائق" من تشويش على شخصية وطنية وقومية محترمة مثل طاهر المصري، وخرج من يطالب المصري بالرد على ما كتب عنه!
بالطبع، لا يمكن لشخصية بهذا الثقل أن تختصر حضورها السياسي في الرد على سفير أميركي سابق، أو أن تنحدر إلى مستوى التحرش الإعلامي والمماحكات التي كان نشر تقارير ويكيليكس محرضا لها.
لن نسأل طاهر المصري عن موقفه، فنحن نعرف هذا الموقف حق المعرفة، لكننا نسأل أسانج ومن يتحمسون لتصديق وثائقه: أليس في خزائن الخارجية الأميركية وثيقة واحدة عن إسرائيل؟
لا ننتظر الجواب لأننا نعرفه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اصبت كبد الحقيقة يا هذا (lمواطن متابع)

    الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2011.
    والله انك افرحتني انو لسا في ناس عندها شوية موضوعية الناس صدقت هالوثائق كانها كتاب مقدس مع انو احتمال وارد يكون في خطا بالنقل او الفهم الفكرة او حتى تحويلها بطريقة او اخرى وفي احتمال انو كثير من الكلام خرج عن سياقه او قيل بحسن نية

    بعدين ما ننسى انو دولتنا صحبة مع الامريكان عشان هيك ما بصير تحلل لحالها وتحرم على غيرها الحكي معهم وفهمك كفاية

    اشكرك على مقالك المنصف
  • »أجدت يا استاذ فؤاد (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2011.
    اجدت استاذ فؤاد في تحليل الموقف .فهذا أحسن تفسير لما عما يجري من هذه القنبلة الموقوته التي رمتها في ساحتنا الأردنية السفالة ، والسفهاء ، عفوا السفارة والسفراء الأمريكان في هذا الوقت بالذات ..نحن الباحثون نعلم أن الوثائق البريطانية والوثائق الأمريكية لا يمكن عرضها للرأي العام قبل مرور خمسسين عاما على مدتها ، وتحفط UN-CLASSIFIED MATERIALS ..وعجبا ان يصدر عن السفرات اي تسربات لآنه كما ذكر الأستاذ الأمين فؤاد ابو حجلة فالأف بي أيه ، والسي أي ايه يسيطران بيد من حديد على وثائق حكومة رعاة البقر الجدد ، والعنصرين الذين ابادوا كاملا الشعب الهندي الأمريكي عن بكرة أبيهم ، وأنه قبل 10 سنوات كان الأنجلو ساكسيون البيض يحرقون بيوت الأفريقين الأمريكان بعصابات تسمى K.K. CLAN