علاء الدين أبو زينة

شرقٌ يجهل شرقَه!

تم نشره في السبت 17 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

أسهب صديقي واسع الثقافة في سرد أصل الحضارات. تحدث عن الإغريق، وعن العلاقة التي نسجها البحر بينهم وبين أجدادنا في شرق المتوسط؛ وحكى عن حضارة الفراعنة ووصْف "أبي التاريخ" هيرودوت لأهراماتهم؛ عن حضارة ما بين النهرين والآشوريين والكلدانيين وسرقة بوابة عشتار؛ عن نشأة أميركا والهنود الحمر وحضارة المايا البائدة واحتمال صلتها بالفراعنة بسبب تشابه الأبنية الهرمية. ثم قال: وهناك حضارات قديمة في الشرق، في الهند واليابان والصين؛ وهناك آسيا الوسطى: من هناك جاء المغول.
فقط، هذا ما يعرفه صاحبي عن أصول الشرق، ولم أجد أنا والآخرون ما نضيفه إلى معلومة المغول. والحقيقة أن ما يعرفه أغلبنا عن الشرق باهت: فعن الصين القديمة، عرفنا من أفلام "الكونغ فو" عن معابد الشاولين والمفاضلة ذات المرامي السياسية بين أسلوب القتال الصيني وبين "الكاراتيه" اليابانية. ويعرف المثقفون كتابات ماو. وعن الهند، نعرف عن تقديس البقر، وأميت بيتشان، وغاندي، وربما طاغور. وعن اليابان، نعرف عن انتحار مقاتلي الساموراي. ونعرف من جنوب شرق آسيا شيئاً عن "النمور الآسيوية" وصعودها الاقتصادي، وهذا كل شيء تقريباً.
هكذا، وبطريقة ما، يستشرق الشرق شرقه بطريقة رديئة، ويحتفظ له برواية ركيكة مفككة أسوأ كثيراً من تلك التي حاكها عنّا الذين استشرقونا، والذين أتوا فعلياً إلى مناطقنا ودرسونا. أمّا نحن، فلم نكن أبداً إيجابيين، بمعنى الذهاب إلى المناطق الأخرى واستكشافها، ربما منذ ابن بطوطة. ويبدو أننا نعرف ما نعرفه وعمن نعرفه فقط بالعصا؛ بأن يحتلنا الآخرون فيزيائياً أو فكرياً، ويفرضوا علينا قراءة تاريخهم، وحسب روايتهم هم.
هذا الفقر المعرفي العربي بشرقه غير عملي، بالإضافة إلى كونه عيباً اعتبارياً. ولمن يريد أن يمتلك أدوات العيش الواقعي مع مُتغيّرات العالم، فإنّ كل الحديث يجري الآن عن تحوُّل مركز القوة العالمي نحو الشرق الأقصى بالذات، فكيف سنتعامل بعد عقدين مع قوى عظمى لا نعرف شيئاً عن نشأتها وعقلها؟ وهل ينبغي أن ننتظر حتى يأتي هؤلاء فيحتلّونا بدورهم ويضعوا تاريخهم في كتبنا المدرسية؟
بشكل ما، يمكُن وصف طريقتنا في معرفة الآخرين بأنها معرفة "أدبية" وليست "علمية". وأعني بذلك أننا نقرأ تاريخ الأمم الأخرى وفنونها غالباً بهدف الاستمتاع، وقليلاً لغايات قراءة عقلها وتحليله لخدمة استراتيجيات التعاطي معها. بل إنّ قضيّة "الاستراتيجيات" طويلة المدى في حد ذاتها ليست ممارسة مألوفة في الثقافة السياسية التي نشاهدها. ويأتي ذلك نتيجة لغياب المؤسسية عن النظام الرسمي العربي، وتصرف الأفراد-الديكتاتوريين آنياً وبردّ الفعل، وإسناد جزء من صلاحياتهم مرحلياً لأفراد متغيّرين لا يعنيهم التخطيط بعيد المدى، ولا هم متمرسون في فهم فكرة المؤسسية أصلاً.
سيكون جزء بالغ الأهمية من غايات الأمم الساعية الآن إلى إصلاح أوضاعها والتخطيط لبقاء أفضل سويّة في المستقبل، أن تركز على إرفاق التغيّرات السياسية بتخطيط معرفي مؤسسي واستراتيجي، غايته التخلي عن الارتجال وبناء الموقف على أسس مدروسة. وفي إطار كهذا، فإن الدعوة إلى الاهتمام بمعرفة شرقنا لن تكون ترفاً وفائضة، بل ينبغي لنا الشروع حتى في دراسة نفسنا مرة أخرى، وبصياغة روايتنا الخاصّة عنّا في غير انفصال عن روايات الآخرين. وستكون هذه الرواية ناقصة نصفها تقريباً إذا ظلت خالية من الفصول المهمّة عن شرقنا نحن.
ينبغي على جهات التعليم والتثقيف الرسمية والخاصة، وكليات اللغات والآداب الجامعية، أن تُسارع إلى ملء هذه الفجوة المعيبة في بنائنا المعرفي، كجزء من عملية الإصلاح الشاملة المستحقة لكل متعلقات التربية والتعليم في بلادنا. ويجب الشروع بإعداد عقول تفكيكية بارعة في قراءة العقل الآخر، وأن يكون جزءٌ منها مالكاً لأدوات معرفة الشرق وتعريفنا به. وسيكون من العيَب الشديد أن نبقى، كما قال صديق: أمة بعين واحدة مفتوحة على خنّاقها في الغرب، وأن نقيم على جهلنا المطبق بشرقنا.

التعليق