محمد برهومة

معنى جديد لـ"محور الاعتدال"

تم نشره في الجمعة 16 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

ليس خالياً من الدلالات أن ينفي وزير الخارجية المصري، محمد عمرو، بقوة الأنباء التي تحدثت قبل أيام عن أن سفير مصر لدى تل أبيب قد صرّح بأن العلاقات المصرية-الإسرائيلية هي علاقات أبدية. وقد جاء النفي مرة ثانية على لسان المتحدث باسم الخارجية المصرية، عمرو رشدي، بقوله إن "تلك التعبيرات تخالف ابتداء التقاليد الدبلوماسية المألوفة؛ لأنه لا يوجد في العلاقات ما بين الدول شيء اسمه علاقات أبدية".
جاء هذا الكلام بعد يوم واحد على قول جلالة الملك عبدالله الثاني إنّ وضع إسرائيل بعد اندلاع الثورات العربية بات "أصعب" و"الأردن ومستقبل فلسطين أقوى من إسرائيل اليوم، والإسرائيلي هو الذي يخاف اليوم". وكشف الملك عن رأيه في الثورات العربية بقوله: "عندما كنت في الولايات المتحدة تحدث معي أحد المثقفين وقال إن ما يجري في الدول العربية اليوم سيصب في مصلحة إسرائيل، وأجبته أنني أرى العكس، فوضعكم اليوم أصعب من ذي قبل". بعد ذلك، جاءت تصريحات رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، الذي قال في زيارته لمصر "إن إسرائيل لم تستوعب التغيرات الجارية بالمنطقة".
هذه المواجهة مع إسرائيل ليست مواجهة بين تل أبيب وجماعات متطرفة ليتم تصنيف محتواها وأهدافها بكل سهولة من قبل ماكينة الدعاية الإسرائيلية، بل هي مواجهة مع دول لطالما وصِفت بكونها العمود الفقري لـ"محور الاعتدال" في المنطقة. وما تزال إسرائيل لا تدرك أنها في وضع صعب مع "الربيع العربي"، ومن المرجح أنْ تكون في وضع أكثر سوءا مع الاستحقاق الفلسطيني في الأمم المتحدة. وقد أعلنت الرياض أيضا على لسان مدير الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل (نيويورك تايمز 12/9/2011)، بأن اعتراض الولايات المتحدة على الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة الشهر الحالي "سيعني المخاطرة بفقدان ما تبقى لها من صدقية قليلة في العالم العربي، وسيتراجع نفوذها كثيرا، وسيكون الأمن الإسرائيلي في خطر، وستزداد احتمالات قيام حرب جديدة في المنطقة". وأضاف الفيصل بأن "السعودية لن تصبح قادرة على استمرار التعاون مع الولايات المتحدة كما اعتادت من قبل، إذ إنه مع توتر الأوضاع في العالم العربي حاليا، قد تبدو العلاقة الخاصة بين الرياض وواشنطن غير مرغوب فيها بالنسبة إلى ملايين العرب والمسلمين الذين يريدون تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني".
إن المراهنة في أن تكون إحدى أهم ثمرات "الربيع العربي" على المدى المتوسط أو البعيد هي تبلور سياسات خارجية في المنطقة أكثر استقلالا ووطنية واستماعا للمطالب الداخلية لشعوب المنطقة، ليست مراهنة في غير محلها وليست احتمالا بعيد التحقق. وأمام عدم تغيّر إسرائيل واستمرارها في احتلالها وصلفها، فإن من درج وصفهم بـ"المعتدلين" في المنطقة في ظل "الربيع العربي" سيتخذون قرارات ومواقف تعارض السياسات الأميركية، إذا بقيت تختار دائما إسرائيل وتفضلها، من دون نقاش، على جميع حلفائها في المنطقة.
من يدري، قد تكون إحدى ثمار "الربيع العربي" أنْ تقلع إسرائيل عن غطرستها واحتلالها، ولذا من المفيد أن تستمع إسرائيل للكاتب الأميركي الشهير في "واشنطن بوست" ديفيد إغناتيوس وهو يؤكد لها أن الخلاصة التي استقاها من "الربيع العربي" بالنسبة لإسرائيل تقول: "إسرائيل قد تكون في نهاية المطاف أكثر أمنا في عالم الديمقراطيات العربية، لكنّ هذا العالم سيكون قانونه: التنازلات جزء من البقاء".

التعليق