تيارات بدون قوالب مستوردة

تم نشره في الأربعاء 14 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

لا بد من الاعتراف أن العرب والمسلمين لم يتناغموا مع الاتجاهات الفكرية المستوردة. والحديث هنا عن الأغلبية العربية، وليس عن النخب؛ فالنخب، ويجب أن نعترف أيضا، كانت هي "الناقل" أو المستورِد، لكنها لم تتمكن من تسويق بضاعتها في جذور وعروق المجتمعات العربية، وحين استثمرت التهييج القومي في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وحاولت حشر "القومية" في قوالب العروبة وحزمتها من الأفكار العاطفية التي أطلق على بعضها "البعث"، والتقت إحداثياً مع فترة نهاية الاستعمار الغربي في أكثر من دولة عربية، فإذا ببعض هذه النخب تجد طريقها إلى السلطة، معظمها بالطبع كانت أحزابا أحادية تبنت نظريات الحزب الواحد الحاكم الذي تربع على عرش مصر وسورية والعراق وتونس، وما امتد إليه في ليبيا والسودان وغيرها.
ما أثاره الأستاذ  فؤاد أبو حجلة في مقاله "عن العلاقة بين "الإخوان" والحراك الإصلاحي" له أهمية استثنائية فعلا، سأتفق معه ولكني سأوجه منحنى الحديث إلى الأغلبية وليس الحراك. وعلينا أن نمعن وندقق، فالأغلبية العربية هي أغلبية مسلمة معتدلة "كثيرا"، أما الإخوان المسلمون فكما واجهوا حروبا شرسة شنتها الحكومات العربية واليساريون العرب عموما، ووجدت "تعاطفا" من الأغلبية، لكنها واجهت أيضاً رفضاً من قبل الشارع المعتدل، الذي يريد الإسلام دينا وحياة ولكنه لا يريد إقحامه عميقا ويميناً في السياسة، ولم يتقبل، في ذات الوقت، العلمانية والعولمة، وحافظ على تلك الخصوصية النادرة، غير المستوردة. ولا شك أن ظهور الاتجاهات الليبرالية، وتحايلها للابتعاد عن اليسار والاتجاه إلى الوسط، ومحاولات تعديل العقول للمطالبة بالحرية وحقوق الفرد، وجدت آذانا صاغية لدى قطاع من الشباب العربي، الذي لم يعد يثق بأحد، فأصبحت الفجوة، بعد استثناء النخب جميعا، بين جيلين من أجيال الأغلبية، جيل المسلمين المعتدلين، وجيل الشباب المطالب بالحرية وحقوق الإنسان وتكافؤ الفرص والعدل والمساواة.
في الأردن، هناك خصوصية فريدة، ففي الباطن وليس في الظاهر المعلن، نما وكبر وامتد تيار المحافظين "المتشددين" الذي لم يخضع لحسابات الفكر القديم والحديث؛ تيار بلا أيديولوجية محددة، فهو يرفض الإخوان واليساريين والليبراليين وكل من يهمس مطالبا بالتغيير. ومع أنهم لم يلتئموا على حزب مستقل، وليس لديهم مجلس أو هيئة تؤطر توجههم، كذلك فليس لديهم قوالب فكرية وبرامج تؤيد أفكارهم، لذلك تجدهم يتحركون بسهولة ويسر، خصوصا في ظل تأييد قسم كبير من الأغلبية "بأطيافها" التي ترى أن استقرار وأمن الأردن يتقدم على صراعات أيديولوجية. وكذلك فهم يمثلون الأغلبية التي ترى أن النظام الهاشمي هو الضمانة الأهم للجميع، وأن أي تغيير في بنية هذا النظام وصلاحيات الملك، قد يكون سببا لاضطراب سيدفع الوطن ثمنه، فيرفضون ذلك رفضا قاطعا ولا يقبلون به تحت أي ذريعة.
لن نسير عكس المنطق والعقل، ولن نطالب بإبعاد النخب والأحزاب، فهؤلاء نكهة السياسة وسر حركتها وكينونتها، لكننا نبحث عن طريقة للتخلص من الأفكار المستوردة، ونفسح المجال لظهور التيارات الثلاثة غير المعلنة، المسلمين المعتدلين والشباب الديمقراطيين وكذلك المحافظين، وأن تظهر كأجسام صحيحة لها هوية مستقلة في بنية المجتمع الأردني، منطلقة من هويتها وخصوصيتها الإنسانية والوطنية وقضاياها الأساسية الداخلية والخارجية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اخالفك الرأي (rola)

    الأربعاء 14 أيلول / سبتمبر 2011.
    الكاتب يرى الامور من منظور محدود جدا لولا الأفكار التي تسميها مستوردة لما تطورت الدولة الحديثة في أي مكان في العالم اتحداك أن تعطي مثالا على فكر صاف نبت من جذوره الداخلية ولم يتأثر ولو قليلا بما تسميه الأفكار المستوردة حتى كل نظريات الفكر والتحرر هي خليط من أفكار متداخلة لنظريات سياسية مختلفة وربما سبب تخلف الوضع السياسي اردنيا هو عدم اتاحة المجال أمام الفكر المستورد ليأخذ تجربته واقتصارنا على فكرنا كما يعلمان التاريخ هو نقطة ضعف كبيرة شكرا للغد
  • »الاخوة الاعداء (باسم المومني)

    الأربعاء 14 أيلول / سبتمبر 2011.
    اعتقد يا استاذ جلال ان الشيء الوحيد اللذي ينقصنا كعرب بمختلف الاطياف والايدولوجيات والافكار حتى الان هو الاعتراف بالآخر.... لازلنا على منطق ان من ليس معي فهو عدوي...فما ان يأتي اي شخص لاي منصب حتى يصبح من كان مكانه ومن معه من الاعداء...والمخربين واعتقد ان هذا هو مربط الفرس...ولا زالت مجتمعاتنا العربية لا تميز بين العولمه والعلمانيه وبين الشورى والديمقراطيه وحتى بين الشيعة والشيوعية... وهذه للاسف هي القاعده.. وذا سألت 99 بالمئه من اهلنا عن أول بشري في الارض سيقول لك متفاجئا بغباء سؤالك انه آدم الا تعلم..وهو لا يعرف ان قبل آدم بآلاف السنين هناك بشر...مشكلتنا يا سيد جلال هي القراءة ثم القراءة ثم القراءة...فكل كتبنا العربية تتحدث عن الطعام ويوم القيامة وعلامته وتفسير الاحلام...ولا نجروء على قراءة كتاب عن العلمانية او الديمقراطية او السياسة لاننا خلقنا بمعرفة تامه بهذه الاشياء التي نجهلها...