عيسى الشعيبي

ذاكرة 11 سبتمبر المستباحة

تم نشره في الأحد 11 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

اليوم، وبعد مرور عقد كامل من الزمن الصاخب على الواقعة التي غيرت وجه العالم، وقلبت العديد من مفاهيم علاقات القوة وتوازناتها السابقة، فإن من شبه المؤكد أن تكون قراءة الحادي عشر من سبتمبر، كتاريخ يفصل بين زمنين مختلفين، أفضل بكثير من قراءته بعد مرور عام واحد فقط، وبالتالي فإن قراءته بعد انقضاء ربع قرن مثلاً سوف تكون أفضل من أي مقاربة تجري في الذكرى العشرية الأولى لذلك الحدث الإرهابي الشنيع.
إذ ليس من شك في أن 11 سبتمبر كان يوماً تأسيسياً لا نظير له منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية، حيث دشن مشهد أميركا الراعفة، المهانة والمصابة في صميم كبريائها ورمز قوتها العسكرية والاقتصادية، لحقبة زمنية قد تمتد لعدة عقود زمنية لاحقة، بدأت فيه أعظم دولة شهدها التاريخ الإنساني على مر العهود، مسيرة انحدارها التدريجي عن عرش القوة الذي تفردت به، وجسدت كل تعبيراته الملموسة لنحو قرن من الزمان.
     ومع أن الولايات المتحدة التي ضُربت في عقر دارها لأول مرة في حياتها الباذخة بالانتصارات الحربية خارج حدودها، حاولت الثأر لنفسها عبر حربين متتاليتين في كل من أفغانستان والعراق، وحرب ثالثة لم تضع أوزارها بعد في إطار ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، إلا أن هذه المحاولات العقيمة لم تُعد إلى الدولة العظمى الوحيدة عافيتها السابقة التي تمتعت بها منذ انتهاء الحرب الباردة، إن لم نقل إن هذه الحروب الثأرية قد عادت عليها بنتائج معاكسة.
ولعل الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت قبل نحو ثلاثة أعوام، وما تزال مضاعفاتها مستمرة على نطاق دولي أوسع إلى الآن، كانت بذورها الأولى قد زرعت في ذلك اليوم المشهدي الرهيب، ثم نمت فيما بعد وترعرعت عبر تلك السلسلة الطويلة من الحروب باهظة الكلفة، والإخفاقات التي جاءت نتائجها المباشرة وبالاً، ليس على الولايات المتحدة فقط وإنما أيضاً على أوروبا، بل وعلى مختلف دول العالم، وذلك بدرجات متفاوتة.
وبقدر ما كان من الصعب على أي محلل مهما كانت قدرته على استشراف المستقبل عالية، أن يتنبأ بكل هذه المضاعفات التي ترتبت على نزق المحافظين الجدد وهم يدفعون بإدارة جورج بوش الابن نحو هذه المغامرات الحربية الفاشلة، فإنه بوسع أي مراقب أن يقول إن الدماء التي أريقت بعد 11 سبتمبر، قد أسست لكل هذا الانحدار المتدرج البطيء الذي تواصل أميركا غذ السير عليه بعينين مفتوحتين.
وتكفي نظرة سريعة فاحصة على مشهد الشرق الأوسط بعد مرور عقد كامل على يوم 11 سبتمبر، كي نرى بأم العين، أن ما صنعته السياسات التجريبية الأميركية الطائشة في بلادنا، أعاد إنتاج مشهد إقليمي أشد اضطراباً من ذي قبل، وأكثر قابلية لمزيد من الحروب التي قد تكون أعلى كلفة مما كانت عليه كل الحروب السابقة، وذلك كله لأن الفشل الأميركي المدوي في العراق قد أخل بالتوازنات وقلب موازين القوى التي كانت سائدة من قبل. وإذا كان هناك من تداعيات إيجابية نادرة يمكن التقاطها من بين الخرائب والحرائق والهشيم الذي خلفه يوم 11 سبتمبر،  فإنها تتمثل الآن في بدء نهاية عصر القطبية الأحادية، مع بزوغ عالم متعدد الأقطاب، قد يكون فيه لدى العرب ركن ركين، بعد أن تستكمل الثورات العربية قوامها المأمول ولو بعد حين قد يطول.
ومن غير تعسف في الاستنتاجات، واستباق للتطورات المحتملة، فإن من المرجح أن تكون أحد أهم التداعيات المرجحة لذلك النهار النيويوركي الذي قلنا إن شمسه لم تغرب بعد، أن يؤدي الانحدار المتواصل، بتؤدة وثبات، في مكانة أميركا على مسرح السياسة الدولية، إلى إضعاف مركز إسرائيل بالتبعية، ومن ثم إلى بداية تشكل شرق أوسط جديد، لا مكان فيه لسياسة العربدة والتفوق المصطنع الذي استمدته الدولة العبرية بسخاء من مرضعتها الأميركية، وظلت عليه هكذا بدون فطام.

التعليق