الإحراج "الأميرائيلي" والدولة الفلسطينية

تم نشره في السبت 10 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

مع أن الحالة الفلسطينية تعيش أسوأ مراحلها، ولم تصل في يوم من الأيام إلى هذه الحدة من الانقسام الذي بلغ حد الاختلاف على الزمن، حيث رام الله وغزة (صيفي-شتوي)؛ كناية عن قرار الحكومة المقالة التي تديرها حركة حماس في غزة باستمرار العمل بالتوقيت الشتوي بعد انتهاء إجازة عيد الفطر، مخالفة بذلك قرار حكومة تصريف الأعمال في السلطة الفلسطينية التي عادت للتوقيت الصيفي، بعد أن حولته الحكومتان للشتوي خلال رمضان للتخفيف عن الصائمين، وبذلك يكون التوقيتان في رام الله وقطاع غزة مختلفين لأول مرة في التاريخ، الأمر الذي أثار حفيظة العديد من الأوساط الفلسطينية، وسبب سخطا شديدا في الأوساط الشعبية الفلسطينية. وعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو بسيطا، لكنه يظهر الانقسام في أبشع صورة على الصعيد المعنوي، حيث لا يحدث هذا الأمر سوى في الدول شاسعة المساحة، فكيف سيصدق أحد بأن فتح وحماس ذاهبتان إلى المصالحة بعد الآن؟
ورغم هذا الواقع المزري حقيقة، فإن الخطوة الفلسطينية بالاتجاه إلى الأمم المتحدة رفعت منسوب الاهتمام الأميركي والدولي بالموضوع الفلسطيني، فممثل الرباعية الدولية توني بلير والمبعوث الأميركي ديفيد هيل، ودنيس روس مستشار الرئيس أوباما جميعهم في المنطقة من أجل ثني الجانب الفلسطيني عن مسعاه نحو الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود حزيران (يونيو) العام 1967.
كما هاتفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وطلبت منه أن يستمع "بروح منفتحة" إلى ما يحمله إليه المبعوث هيل من اقتراحات ربما تكون كفيلة برأيها بإقناع الفلسطينيين بالعدول عن مسعاهم، والانخراط مجددا في المفاوضات.
من الواضح أن واشنطن رسمت منحى تصاعديا لضغوطها على الجانب الفلسطيني بهدف انتزاع موقف يقبل بالعودة إلى المفاوضات، ولو جاء إعلان هذا الموقف عشية افتتاح دورة أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وسوف تشهد الأيام القليلة المقبلة تحركات أميركية ضاغطة تجاه أعضاء كثر في الأمم المتحدة من أجل ممارسة الضغط على الفلسطينيين للعودة عن قرارهم، ومن الممكن أن تنتقل لهجة الإنذار والتهديد إلى خطاب التعامل مع هذه الدول في حال حافظت على موقفها بتأييد المسعى الفلسطيني.
لكن يبقى القرار النهائي بيد الفلسطينيين، فهل يذهب المفاوض الفلسطيني حتى النهاية في معركة استحقاق أيلول في الأمم المتحدة، أم يريد أن يلعبها حتى اللحظة الاخيرة؟
المؤشرات تقول إن القرار لم يغلق حتى الآن نهائيا على الذهاب إلى الأمم المتحدة مهما كانت النتائج. فالمفاوض الفلسطيني لم يتوقف عن إرسال إشارات حالت دون أن ينجح في استعادة ثقة شرائح واسعة في الشارع الفلسطيني بقدرة هذا المفاوض (بل وبرغبته الأكيدة وبتوافر الإرادة لديه) لخوض المعركة حتى النهاية، ومقاومة الضغوط والإغراءات للتراجع في اللحظة الأخيرة عن قراره لمصلحة عروض بديلة.
وهو يؤكد، من دون أي مواربة، أنه لن يحوّل قضية "الفيتو" الأميركي في مجلس الأمن ضد الطلب الفلسطيني إلى معركة مع الولايات المتحدة، كما أن الذهاب إلى نيويورك ليس بديلاً من المفاوضات المفترض أن تستأنف بشكل أو بآخر تحت رعاية واشنطن.
كذلك يؤكد عزمه عزل الشارع الفلسطيني عن هذه المعركة من خلال تجديد تعهده للولايات المتحدة خاصة ولإسرائيل كذلك، بمنع قيام انتفاضة جديدة، ورفضه تكرار تجربة الرئيس الراحل ياسر عرفات رداً على فشل مفاوضات "كامب ديفيد" الثانية في تموز (يوليو) 2002، وهو ما يطرح في السياق سؤالاً عن أوراق القوة التي سيلجأ إليها المفاوض الفلسطيني للخروج من معركة الأمم المتحدة بنتائج تخفف من الخلل في موازين القوى.
تصريحات بعض المسؤولين الفلسطينيين ماتزال توحي بالاستعداد لإعادة النظر ببعض جوانب خيار التوجه نحو الأمم المتحدة إذا ما توافرت تعهدات بمفاوضات ذات شروط أفضل، في إشارة إلى أن الفترة الزمنية الفاصلة حتى موعد تقديم طلب العضوية إلى الأمم المتحدة تشكل فرصة لصياغة أسس جديدة لمفاوضات متوازية تعفي واشنطن من حرج الوقوف وحيدة في مجلس الأمن، وإسرائيل من حرج العزلة في الجمعية العمومية، كما تعفي المفاوض الفلسطيني نفسه من إحراجات واستحقاقات سياسية دولياً وعربياً وحتى فلسطينياً.

التعليق