محمد أبو رمان

الشيطان ما يزال هناك

تم نشره في الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

يشير محمود سلطان، رئيس تحرير صحيفة المصريون الالكترونية، إلى قصة تحقيق أجراه ضابط أمني (على الهاتف) مع مؤسسي حزب النور (السلفي) عن الاعتصام الذي أعلنوا عن إقامته.
الملاحظة التي يبديها سلطان، محقّاً بالطبع، هي أنّ الضابط نفسه هو في الجهاز الجديد "الأمن الوطني" كان معروفاً بقسوته وعدائيته في الجهاز السابق "أمن الدولة"!
لم يتغيّر شيء، إذاً، على هذا الجهاز ومهماته البشعة السابقة ضد الحريات وقمع حقوق الإنسان وانتهاك الخصوصيات والتجسس والتعذيب وغيرها من جرائم كانت ترتكب بحجة "الأمن الوطني".
بالطبع، هذه الواقعة ليست منبتّة عن السياق الحالي من الصراع الشرس في مصر منذ اندلاع الثورة إلى الآن، من خلال اختلاق الأزمات والمشاكل والذهاب إلى خيارات قديمة- جديدة، تؤدي في النهاية إلى إرهاق المواطنين والقوى السياسية، ومن ثم العودة إلى بنية النظام السابق نفسها، لكن بحلّة جديدة.
"الشيطان ما يزال هنا"، ربما تلخّص هذه العبارة هواجس أغلب الشباب المصري الذي دفع الغالي والنفيس من مستقبله وحياته، من أجل لحظة الحرية، التي يراد اختطافها بـ"الثورة المضادة". ومن يقرأ مقالات الأديب علاء الأسواني يلحظ بوضوح هذا الهاجس المهيمن على أغلب مقالاته وحتى مقابلاته التلفزيونية.
لا نتصوّر أن يحدث التحول الكامل بين ليلة وضحاها، فهنالك أيتام للنظام السابق، ورموز ستتضرر مصالحهم المالية والسياسية بصورة كبيرة، وربما يكون مصيرهم السجن، فهم سيعملون إلى آخر لحظة على إفشال أهداف الثورة وحرفها عن المسار المطلوب، والاتجاه بها إلى الطرق الالتفافية، عبر تجنيد مسؤولين وأتباع وشراء ذمم، واستغلال وجود شخصيات كثيرة من النظام السابق ما تزال على رأس عملها إلى اليوم.
السياق التونسي لا يختلف كثيراً عن السياق المصري، ويبدو أنّ الفرحة بموقف الجيش (في هاتين الدولتين) برفضه المشاركة في قمع الثورات، ليست كاملة، إذ إنّ مؤشرات متعددة مقلقة تشي بمراوغة المؤسسة العسكرية مع الثوار، للوصول إلى وضع يكون مقبولاً لديها، لكنه لا يختلف كثيراً عن الحالة السابقة، إنما يحفظ لها سطوتها وحضورها.
العامل المهم الأكثر خطورة هو الموقف الدولي، وتحديداً الأميركي، وهو من الواضح أنه لم يتغيّر بقدر ما يتجمّل في الموقف من الثورات. فما تزال الإدارة الأميركية تخشى من الديمقراطيات الحقيقية، ومن حملها الشعبي، الذي يحمل أحلام التحرر والحرية الحقيقية والكرامة، على خلاف الأنظمة الفاسدة الطيّعة معها.
ما اختلف في الموقف الأميركي هو فقط عملية إدارة مصالحها في المنطقة، وليس تعريفها. فبعد أن تأكد العم السام أنّ النظامين المصري والتونسي هالكان لا محالة، تدخل في عملية التغيير، عبر المؤسسة العسكرية، وقام بالتخلص ممن انتهت مدة صلاحيتهم، مع الإبقاء على آخرين أكثر أهمية، وإلقاء مسؤولية إدارة المرحلة الحالية باتجاه يحفظ المصلحة الأميركية ويحقق شيئاً من الديمقراطية وليس كلها.
ما يحدث في سورية من تهريج غربي في التعامل مع الجرائم البشعة الحالية ضد الشعب هو أكبر دليل على قبح الموقف الأميركي واستمراره على نهجه المعادي للشعوب! فرغم الاختلاف مع الأسد، إلاّ أنّ مصلحة إسرائيل هي إبقاؤه، لذلك فالموقف الأميركي يحرّض ويهدد ويتوعد والهدف إضعاف النظام السوري لا تغييره.
ما يدفع إلى الأمل والاطمئنان أن الشعوب تدرك تماماً هذا المنحدر، وتعلم أنّ المعركة لم تنته بعد، فالشيطان ما يزال هناك!

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الوضع مختلف (ظافر الكردي)

    الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2011.
    قد أتفق مع الكاتب محمد أبو رمان فيما أبداه حول الأوضاع في مصر ، ولكني أجزم بأن للولايات المتحدة واسرائيل مصلحة أكيدة في تغيير النظام في سورية ، لأن ما هو مخطط لسورية يقع في اطار نظرية ( الشرق الأوسط الجديد ) الذي أفصحت عنه ، أكثر من مرة، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ، فسورية ضمن ذلك المخطط القبيح سيتم تقسيمها لعدة دويلات هزيلة تمتطيها المنازعات الداخلية . .
    ظافر الكردي
  • »إختلاف في دراسة الحالة السوريه (عماد)

    الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2011.
    اختلف معك تماما. مصلحة إسرائيل حسب مستشار نتنياهو . والذي يركز على مساعي اسرائيليه حثيثة لإسقاط الدوله السورية واعادتها إلى فترة الستينات والخمسينات. حكومة مركزيه ضعيفة تؤدي إلى شلل في الأطراف. قد يكن هناك هجمات "ارهابية" ولكنها ليست على مجال واسع أو كبير. إسقاط الدوله يتم عبر مجالات عده لا تسمح ديموقراطيه الجريدة بسردها للأسف . نظام بشار الأسد قام في عشرة سنوات بتصفير ألدين الخارجي ، وعمل على خطة الإكتفاء الذاتي واستطاع عمله. هذا لا يبر غياب الديمقراطيه.