استراتيجية إسرائيل أمام تركيا

تم نشره في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2011. 05:39 مـساءً

ربما ساهمت الحملة الشعبية المتصاعدة في إسرائيل في تخفيف مستوى الانشغال الإعلامي والسياسي بقرارات الحكومة التركية معاقبة إسرائيل لعدم اعتذارها عن مجزرة أسطول الحرية. وكما يبدو، فإن هذا أيضا ساهم في تشجيع بنيامين نتنياهو على إظهار تصلب أكثر في الموقف، والاستمرار في نهج العربدة الدبلوماسية التي فرضها وزير خارجيته أفيغدور ليبرمان منذ عامين وأكثر. ولكن هذا لن ينجح كثيرا، حينما يرى الإسرائيليون مدى انحسار مجال الحراك الإسرائيلي على الساحة الدولية بفعل هذا النهج.
قبل أيام، ظهر تقرير في إسرائيل يقول إن نتنياهو وليبرمان يعتقدان أن التعامل الاستعلائي والهجومي مع التقارير والقرارات الدولية سيُخرج إسرائيل من أي زاوية محاصرة، مستندين إلى تجربتهما في التعامل مع تقرير غولدستون؛ "من يذكر اليوم تقرير غولدستون؟"، يسألون اليوم في سدة الحكم.
يراهن نتنياهو وقادة حكومته على أمرين في التعامل مع الأزمة المتصاعدة مع تركيا. الأول؛ اعتقادهم بأن مساعي تركيا لكسب مكانة إقليمية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لن تسمح لتركيا بالتصعيد أكثر في العلاقات مع إسرائيل، وأنه بعد فترة سيبدأ البحث عن قنوات لإصلاح العلاقات بين الجانبين. ولكن حتى الآن، فإن هذه الفرضية الإسرائيلية لا تبدو "ناجحة"، لأن تركيا تصعّد باستمرار في عقوباتها على إسرائيل.
أما الأمر الثاني؛ فهو ما ذكر سابقا، وهو تصعيد نهج الاستهتار الإسرائيلي بالتقارير والقرارات الدولية التي لا تروق لها وتعترض على سياستها. وهذه استراتيجية وضعها ليبرمان في اليوم الأول لتوليه منصبه قبل عامين ونصف العام. وبالإمكان إجراء مراجعة لتصريحات ليبرمان، مثلا، تجاه دول في شمال أوروبا، ثم تركيا ومحاولة إهانة سفيرها في تل أبيب قبل عامين.
وكما يبدو، فإن نتنياهو الذي تحفظ بداية على أسلوب ليبرمان بات على قناعة به، بعد تجربة التعامل مع تقرير غولدستون. ولكن بعد عامين ونصف العام على بدء حكومة نتنياهو، نرى أن الحراك الإسرائيلي على الساحة الدولية يشهد انحسارا ملحوظا. فإسرائيل اليوم لا تتحرك في الدول العربية كما كان في السابق، وحتى قبل الثورات.
كذلك، فإن اللقاءات الإسرائيلية مع شمال أوروبا، وخاصة الدول الاسكندنافية، شبه غائبة، وقد سلّمت إسرائيل بحقيقة ان هذه الدول مساندة للقضية الفلسطينية. وكذا الأمر بالنسبة لأفريقيا، بعد أن حاول ليبرمان فتح قنوات لتوسع العلاقات في تلك القارة. ولا نسمع الكثير عن تطور العلاقات مع دول شرق آسيا، وأميركا اللاتينية.
والحراك الإسرائيلي بالأساس، نجده في الولايات المتحدة، بينما الحراك في الحلبة الأوروبية المركزية ليس انسيابيا كما كان حتى ماض قريب.
وفي حال أبقت منظمة التحرير الفلسطينية على قرارها وعرضت مشروعها على الأمم المتحدة، فهناك وفي أعقاب التصويت، ستتحدد خريطة الدبلوماسية الإسرائيلية. وفي حال ثبتت التوقعات بفوز مشروع القرار الفلسطيني بأغلبية ساحقة تتعدى نسبة 70% من الدول، فإن هذا سيخلق مساءلة داخلية في الشارع الإسرائيلي لحكومة نتنياهو، وقد يُصعّد الأزمة السياسية الداخلية، على الرغم من ثبات حكومة نتنياهو برلمانيا، ما يؤهلها للبقاء عامين آخرين من الآن. 
المحطة الأهم التي علينا ترقبها في تدهور العلاقات التركية-الإسرائيلية، هي العلاقات الاقتصادية. فتركيا تحتل المرتبة السادسة إسرائيليا من حيث حجم التبادل التجاري. وعلى الرغم من الأزمة السياسية التي بدأت مطلع العام 2009، فإن العلاقات الاقتصادية واصلت تطورها، إذ بلغ حجم التبادل التجاري في 2009 حوالي 2.5 مليار دولار، وفي العام التالي 3.1 مليار دولار، وحتى النصف الأول من هذا العام ملياري دولار، مع مؤشرات لاجتيازه هذا العام 4 مليارات دولار. وإعلان رئيس الحكومة التركية أردوغان هذا الأسبوع، عن قطع العلاقات الاقتصادية والعسكرية مع إسرائيل، تبين أنه لا يشمل القطاع الخاص، وعليه فإن "الضرر" من وجهة نظر إسرائيل يتركز ببضع عشرات ملايين الدولارات من الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا، وفي حال استمرت العلاقات الاقتصادية على حالها، فإن هذا سيقلل من حجم تأثير الإجراءات التركية على الشارع الإسرائيلي.
أما من حيث ملف التعاون الأمني، فإن العلاقات تراجعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، ولكن من ناحية إسرائيل، فطالما أن الولايات المتحدة لها حضور في المشهد التركي، فإن هذا يقلل من قلقها في هذا المجال.

[email protected]

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »توتر تل أبيب وأنقرة واستقرار الشرق الأوسط (نورا جبران)

    الأربعاء 7 أيلول / سبتمبر 2011.
    من المهم لإسرائيل أن تحافظ على سوية علاقتها مع أنقرة من باب أنهما الدولتان الأهم في الشرق الأوسط من أكثر من ناحية، ومن باب النشاط الملحوظ لتركيا في بسط وجودها على المشهدد العربي، بأكثر من مسعى، ولعل تصريحات أردغان بشأن إمكانية رؤية تحركات تركية في مياه الشرق الأوسط وأن إسرائيل لن تعود وحدها المسيطرة، تصريحات مهمة ويجب أن تؤخذ على أكثر من وجه!
    وماذا بشأن التغيير الذي فرضته الثورات العربية وغياب بعض الأنظمة لا سيما تلك المجاورة لإسرائيل! هل تحتمل إسرائيل كل هذه المتغيرات إلى جانب توتر العلاقة مع تركيا؟!
    أعتقد أن أمن إسرائيل واستقرار المنطقة برمتها إحدى أهم النقاط التي على تل أبيب أخذها بعين الاعتبار لدى تفكيرها وحسمها للتوتر مع أنقرة ..
    أتساءل مثلا إذا ما تواصلت رحلات سفن الحرية وحصل أي شيء أبسط وأقل مما حصل في المرة الماضية، فهل ستلجأ أنقرة للطريقة نفسها في إدارة الخلاف؟!!