إبراهيم غرايبة

مستحيلتان.. النسبية والوسطية

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2011. 03:00 صباحاً

هل نستطيع أن نوفق بين الاتجاهات والأفكار والمطالب والمخاوف التي تبدو في بلدنا في حالة مواجهة وتناقض؟ تبدو النسبية أو الوسطية مستحيلة، فلا تستطيع أن تكون متقبلا ومرحبا بك إلا أن تكون مصنفا بوضوح وتحديد، إسلاميا أو علمانيا، مؤيدا أو معارضا، يمينيا أو يساريا، ليبراليا أو محافظا، مع أو ضد. ولا يكفي أن تكون مصنفا بدقة وتحديد لا يحتمل اللبس، بل يجب أن تكون وفيا لتصنيفك ولا تغادره، وإذا انتقلت من خانة إلى أخرى فيجب أن يتم ذلك في عملية انتقال واضحة ونهائية.
وفي هذا التصنيف الفكري والسياسي لا مجال للنسبية وعدم اليقين؛ أنت إذن مراوغ، مربك ومرتبك.. ومزعج، ولا يمكن التعامل معك كما أنت بل حسب التصنيف السياسي المتبع، وكأن ذلك جزء من التصنيف الثابت والأزلي للكائنات الحية؛ فإذا كنت من الثدييات، مثلا، لا تستطيع أن تتحول إلى الطيور!
الأمر ليس ترفا يمكن الاستغناء عنه، أو لعبة يمكن عدم المشاركة فيها، ولكنها عملية يومية تواجهها في سلوكك السياسي والشخصي. وإذا كنت تعمل في الكتابة فالأمر معقد وبالغ التعقيد. ففي الجدل الدائر حول الهوية والمواطنة، لا تستطيع أن تجمع بين الفكرتين، فالدعوة إلى الهوية والانتماء الوطني التي يدعو إليها تيار واسع تبدو متناقضة مع حقوق المواطنة التي ينادي بها تيار آخر واسع، ولا تستطيع أن تجمع بين الفكرتين برغم بداهة الفكرة وبساطتها في معظم دول العالم وربما جميعها.. وكأن الهوية الوطنية والثقافية اعتداء كبير على فئة من المواطنين يريدون أن يكونوا مواطنين بلا هوية وطنية، وفي الوقت نفسه فإن الدعوة إلى المواطنة الكاملة والمساواة بين المواطنين، تبدو خيانة للهوية، ومشاركة في التوطين وإقامة الوطن البديل، وكذا في محاولة الجمع بين الدعوة إلى العدالة الاجتماعية والحرية الاقتصادية، وأننا لسنا ملزمين بالاختيار بينهما، أو في الموازنة بين فوائد السلام وفرصه ومكتسباته ومخاسره وتحدياته، أو في الجمع بين عقلانية لتنظيم الحياة السياسية تقوم على الأغلبية، مع ضمان حقوق الأقلية وبين الثراء الروحي والموارد الفكرية والإصلاحية ومنظومة الثقة التي تمنحها القيم الدينية، ولسنا مضطرين لأجل هذه المكاسب أن نقيم دولة دينية أو إسلامية، ولا أن نضحي بالموارد الروحية لأجل العقلانية.
تستطيع أن تكون ما/ من شئت من الأفكار والجماعات والتصنيفات، إلا أن تكون أنت، فذلك يقترب من المستحيل.

التعليق