جردة حساب الثورات العربية

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2011. 02:00 صباحاً

أوضح الكلام أبسطه. والبساطة التي نعنيها تجد تجلياتها في العودة إلى نقاط البداية التي تهيئ لكل ما يبني عليها ويلحق بها من نقاط أكثر تفصيلاً، وإلى الحقائق الأولى المنشئة لما يتفرع عنها من حقائق ثانوية، وصولاً إلى المفردات العملية المعاشة في المشهد الحياتي الراهن، السياسية منها والتنموية الاقتصادية والاجتماعية.
بعد ما يزيد على نصف قرن من خروج القوات العسكرية للاحتلال الاستعماري، لم تنل الشعوب العربية في أي من أقطارها شيئاً يذكر من الحرية والكرامة وروح المواطنة والعدالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. حصل ذلك تحت شتى صنوف أنظمة الحكم السياسية التي رضخت لها، ومختلف الأنظمة الاقتصادية، من الاشتراكية إلى السوق الحرة وما يتفرع عنهما من نظم تنموية متعددة.
ولشدة صدمة الشعوب، تواتر اكتشافها سنة بعد أخرى أن معظم الأنظمة الحاكمة لم تزد عن كونها أنظمة فاسدة تقودها مافيات سياسية واقتصادية. وكانت صدمتها أشد مع كل صدام لها مع هذه الأنظمة في كل مرة خرجت فيها إلى الشارع، لتكتشف أن بعض قادتها ليسوا إلا زعماء عصابات بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. تبدى ذلك جلياً في ثورات تونس ومصر واليمن وليبيا. وهو يتبدى اليوم فيما ترتكبه عصابات النظام القمعي في سورية من جرائم بحق الشعب السوري الذي تحكمه عائلة الأسد وأجهزتها الفاشستية منذ ما يزيد على أربعين سنة.
ما الذي توصلت إليه الشعوب العربية ونخبها الوطنية الملتزمة في تجربتها المريرة مع أنظمتها الحاكمة؟ إنه باختصار أن الشعب، أي شعب، لا يمكن أن يكتسب بحق صفة أن يكون شعباً إن لم يحيا في وطن يحكمه القانون، يتيح للفرد الإنسان فيه أن يكون مواطناً حراً وكريماً، وللدولة أن تكون دولة قانون، وللمجتمع أن يكون تشاركياً ويتظلل بعقد اجتماعي توافقي بين الموطنين والسلطة الحاكمة.
غير ذلك لا يمكن للإنسان أن يدعي بإنسانيته ويزعم بالانتساب لوطن ويرفع شعارات أو يعلن عن أهداف يسعى لتحقيقها. كل ما قد يعلنه من هذا القبيل أو غيره ليس أكثر من آمال وأحلام وأوهام لا يملك أي أداة لتحقيقها. إنها دعوى العاجز الذي يستبعد الفعل بالقول، ويستبدل أدوات العمل بالكلمات. ومن لا يستطيع أن يقدم شيئاً لوطنه ومستقبل شعبه، لا يمكن الإسهام فيما هو أبعد من ذلك مما يتعلق بوحدة أمته وخدمة مصالحها وتحرير شعوبها وأراضيها.
ما استقر في ضمائر ووجدان الشعوب العربية بعد معاناتها القاسية مع أنظمة ديكتاتورية فاسدة على مدى ما يزيد على نصف قرن، أن العبد لا يقدر على ممارسة فعل التحرير، وأن من تعوزه الكرامة أعجز من أن يشيد وطنا، ومن يفشل قطرياً لا يقوى على بناء دولة الوحدة، والقيادات التي لم تنجح في حمل أمانة شعوب أقطارها لا يمكن أن تكون أمينة على مصالح الأمة.
الشعوب العربية بعد أن طفح بها الكيل وذاب ثلج الأنظمة فاضحاً ما تحتها، لسان حال أبنائها يقول: نحن لسنا بالأحرار حتى يجدر بنا رفع شعار التحرير، ولم نعل تجربة قطرية ناجحة واحدة تمنحنا الحق بالدعوة لبناء دولة الوحدة. لن نشتري بعد اليوم وهم التحرير ولا حلم الوحدة، ولن نجعل من أي منهما طريقاً للآخر وبديلاً عن إنتاج الإنسان الحر والمواطن الكريم ودولة القانون والديمقراطية أولاً. وهو ما لن يمكن إنجازه بدون الاصطفاف بطوابير الناخبين أمام صناديق الاقتراع التي لا يقربها التزوير. بذلك من دون غيره تتكرس الشراكة في بناء الوطن وصنع قراراته، وتتحقق حرية وكرامة مواطنيه، ويعلي الجميع معاً بناء تجربة قطرية تحيا وتنمو وتمتلك قرارها المستقل وسيادتها الوطنية، وتصبح قادرة على إعانة تجارب قطرية أخرى والتعاون معها لبدء رحلة التحرير ودولة الوحدة.

التعليق