كل شيء في العائلة

تم نشره في الثلاثاء 30 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2011. 02:13 مـساءً

هارولد جيمس

الأزمات الاقتصادية الكبرى غالباً ما تؤدي إلى تعثر الشركات الشهيرة. وتشكل إمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية نموذجاً للمؤسسة التجارية العالمية. والواقع أن هذا النموذج التجاري الديناميكي المبدع بشكل خاص أتى من الخارج ثم استولى على جوانب مركزية من الحياة العامة البريطانية ثم الأميركية.

وتُعَد تجربة مردوخ نموذجاً مصغراً للكيفية التي تعمل بها العولمة الحديثة. فقد بدا مردوخ دوماً وكأنه ممثل للتدخل الأجنبي في الحياة البريطانية. ولم يقتصر الأمر على كونه أسترالياً فحسب؛ بل إنه جلب معه أيضاً أفكاراً جديدة.
وقد أدى تطبيق التكنولوجيا الرقمية، التي ظهرت بعد صراع شرس مع نقابات الطباعة القوية، إلى توفير قدر كبير من النفقات والسماح بنشوء عصر جديد من الصحافة. والأمر الأكثر أهمية هنا هو أن مردوخ كان يمثل مفهوم الشركة العائلية الشائع في العديد من أجزاء العالم، ولكنه نادر نسبياً في بريطانيا والولايات المتحدة.
تستخدم الرأسمالية العائلية في النموذج الأوروبي القاري رأسمال ضئيل نسبياً لتحقيق أقصى قدر من السيطرة والتحكم، وكثيراً ما تعتمد على الهياكل المؤسسة البالغة التعقيد، التي تتألف من طبقات متعددة من الشركات القابضة، فضلاً عن أسهم متميزة قادرة على ضمان استمرارية السيطرة.
وهذا النوع من الشركات شائع أيضاً في اقتصادات الأسواق الناشئة الأكثر ديناميكية في آسيا وأميركا اللاتينية. تمتلك عائلة مردوخ 12% فقط من أسهم نيوز كوربوريشن، الشركة القابضة ذات المستوى الأعلى، ولكنها تملك نحو 40% من حقوق التصويت.
على مدى عشرات السنين، كان المحللون الأكاديميون يتقاتلون حول ما إذا كان بوسعنا أن نعتبر هذا النموذج من التجارة العائلية الكبيرة الحجم مفيدا. ويشير المدافعون عنه إلى أن مثل هذه الشركات تتحلى غالباً برؤية بعيدة الأمد إلى حد كبير مقارنة بما قد يصدق على الرأسمالية الإدارية، وهو ما يمكنها من إقامة علاقات قوية ودائمة مع عملائها ومورديها.
وفي حالة إمبراطورية مردوخ على الأقل، يبدو الأمر الآن وكأنها حريصة على إقامة علاقات طويلة وملزمة مع الساسة ورجال الشرطة أيضا. والواقع أن هذه التشابكات السياسية تشكل أحد مصدرين للضعف في بنية الرأسمالية العائلية على الطريقة الأوروبية، حيث يسعى أصحاب هذه الشركات إلى اكتساب مزايا سياسية بقدر ما يسعون إلى اكتساب الإبداع التقني.
كانت إمبراطورية مردوخ تعتمد على قربها من الساسة. فكان ثلاثة من رؤساء الوزراء البريطانيين المتعاقبين -توني بلير، وغوردون براون، وديفيد كاميرون- على علاقة ودية مفرطة مع أحد كبار رجال الأعمال الاستغلاليين. والآن يتحدث كاميرون عن الحاجة إلى "علاقة أكثر صحة بين الساسة وأصحاب وسائل الإعلام". وفي الظاهر يقول مردوخ الآن إنه يتمنى لو يتركه كل رؤساء الوزراء هؤلاء وشأنه.
وتتلخص نقطة الضعف الثانية في الشركات العائلية في مشكلة الخلافة. عندما مثل روبرت مردوخ أمام البرلمان البريطاني في تموز (يوليو)، بدا كرجل مسن بعيد عن السيطرة وخارجها تماما. وفي الشركات العائلية من الطراز القديم، هناك قاعدة واضحة للخلافة تتمثل في تولي الابن الأكبر لمقاليد الأمور. ولكن من المعترف به أن هذه القاعدة قد تكون مختلة. ومن الواضح أنه لا يوجد ما يضمن أن الابن الأكبر هو الرجل الأفضل للتجارة وألا يتحول الأمر إلى نافسة شرسة مريرة بين الأشقاء.
وتصبح مثل هذه النزاعات على الخلافة أكثر حدة عندما يشتمل الأمر على زيجات متعددة ومجموعات عديدة من الأبناء المتنافسين. وحتى اندلاع الفضيحة الحالية كان من المعتقد أن جيمس، الابن الأصغر لمردوخ بين ثلاثة أبناء من زيجته الثانية، لديه الفرصة الأعظم لخلافة والده.
إن التعقيدات التي تشتمل عليها أنماط الزواج الحديثة تجعل الحياة الأسرية أكثر توترا، وخاصة عندما يشتمل الأمر على سلطة هائلة ومبالغ ضخمة من المال. فقد أثمرت زيجات مردوخ الثلاث عدداً كبيراً من الأبناء، ولو أن أبناءه من علاقته الحالية أحدث سناً من أن ننظر إليهم باعتبارهم خلفاء محتملين له.
وقد يصبح التخطيط للخلافة أكثر تعقيداً إذا ظهر "أبناء بدلاء" من إدارة الشركة. ولقد لعبت ريبيكا بروكس، رئيسة تحرير صحيفة "أنباء العالم" عند بداية فضيحة التنصت على المكالمات الهاتفية، وبعد ذلك الرئيس التنفيذي لشركة نيوز إنترناشيونال (التابعة البريطانية لمردوخ)، لعبت ذلك الدور على وجه التحديد. وعلى هذا فإن تفكك الإمبراطورية التجارية كان مصحوباً ومضخماً بالصراعات المريرة بين الأبناء والأبناء البدلاء.
والواقع أن أزمة إمبراطورية عائلة مردوخ التجارية ليست فريدة أو غير مسبوقة. ففي النصف الأول من تسعينات القرن العشرين، أكَّد العديد من مراقبي المعجزة الاقتصادية الآسيوية المزعومة على قدرة العائلات على التعاون مع السلطات السياسية من أجل تحقيق خطط النمو البعيدة الأمد. وبعد الأزمة الآسيوية في 1997-1998، ومع تفكك الأنظمة الاستبدادية في بلدان مثل كوريا الجنوبية وأندونيسيا، أصبحت هذه العلاقات تُفَسَّر فجأة بوصفها علاقات فاسدة، وسرعان ما سادت وجه النظر المضادة، ألا وهي أن "رأسمالية المحسوبيات" أصبحت راسخة في هذه البلدان.
كان الربيع العربي في جزء كبير منه بمثابة حركة ضد رأسمالية العائلات الفاسدة، والتي لم تتجسد في أسر مثل أسرة بن علي ومبارك والأسد فحسب، بل وأيضاً في إمبراطوريات التجارة العائلية الضخمة التي اعتمدت على هذه الأسر الحاكمة ودعمتها في نفس الوقت.
ونتيجة للعولمة، بات بوسع الشركات العائلية الضخمة أن تزيد من أحجامها ونطاقها الجغرافي. ولكن العولمة عملت أيضاً على زيادة احتمالات ردود الأفعال المعاكسة التي تركز على نقاط الضعف والأخطاء التي ترتكبها الشركات العائلية الضخمة. فهي الآن عُرضة لتأثيرات الربيع العربي (والصيف البريطاني)، بل وربما للخريف الأميركي الذي لن يركز على أعمال مردوخ فحسب، بل وأيضاً على تفاعلها المتبادل مع السياسة.

*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في جامعة برينستون، وأستاذ التاريخ في معهد الجامعة الأوروبية بفلورنسا.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق