عيسى الشعيبي

اكتشاف ليبيا الحقيقية

تم نشره في الجمعة 26 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

مثل غيري من ملايين العرب المبهورين اليوم بالمفاجأة الليبية السارة، كنتُ حتى قبل نحو ستة أشهر خلت لا أرى وجه ليبيا الحقيقي، وأجهل مع الأسف كثيرا من الجوانب المشرقة والخصائص المميزة لهوية شعب لم نكتشف معدنه الأصيل إلا عبر هذه الثورة الشعبية، التي جلت صورة بلد لم نكن نشاهد فيه سوى حاكم معتوه، ورعاع يهتفون بحياته، وخزعبلات الجماهيرية العظمى، والكتاب الأخضر واللجان الثورية، وغير ذلك من الترهات المخجلة.
وعليه، أود بادئ ذي بدء، الاعتذار شخصياً عن هذه القراءة التبسيطية الخاطئة، وعن تلك الانطباعات المجحفة التي تكونت لديّ عن الليبيين طوال نحو أربعة عقود كسيفة، كانت قناعاتي السلبية خلالها تتعزز مع مرور الوقت، فيما كانت الوقائع العجيبة الغريبة، والمشاهدات المضحكة المبكية، تعمل على ترسيخ الأحكام التقديرية الأولى الظالمة، عن بلد حسبت أنه على شاكلة حاكمه، وأن كل من فيه قذاذفة، وذلك على قاعدة أن هذا الطين من تلك المطينة، وأنه كيفما تكونوا يُولّ عليكم.
ومع أنه أتيح لي غير مرة واحدة زيارة ليبيا، والتمتع بضيافة رسمية عادة ما تكون حافلة بالنسبة للكتاب والصحفيين العرب، إلا أنني آليت على نفسي عدم قبول مثل هذه الدعوات غير البريئة، وآثرت كبح ميول حب الاستطلاع التي استبدت بي، للحظة عابرة، لزيارة بلد من بين عدد ضئيل من البلدان العربية التي لم أزرها من قبل، وذلك كله انطلاقاً من موقف سياسي قاطع ضد نظام لم أحترمه مرة، ومن انطباع سلبي متعسف كان قد استقر عندي إزاء شعب اتضح لي مؤخراً أنه كان على عكس ما ظننا به الظنون، شعباً مغلوباً على أمره.
وها نحن اليوم نرى، بعد طول تبديد وتشويه، قسمات جميلة جرى طمسها من وجه ليبيا الحقيقية، ونشهد في هذه الآونة مآثر كفاح بطولي لشعب حسبنا ذات عهد مديد أنه كفّ عن استلهام إرثه التاريخي المجيد في مقاومة الاحتلال الإيطالي، وتناسى عمر المختار، فإذا به يستعيد اليوم كامل ملامح صورته المغيبة، وينقي ثوبه الأبيض من كل الدنس الذي لحق به، ويصنع من دمه المسفوح بغزارة ملحمة انتصاره على الطغمة المستبدة، نافضاً عن نفسه كل تلك التصورات القبلْية والاستنتاجات الجاهزة سلفاً.
ومن كان يعوزه التيقن، مثلي، من سوء تقديراته وخطل أحكامه وتقديراته المسبقة، ما كان عليه سوى الاستماع إلى تلك الكوكبة من المثقفين الليبيين الذين ترافعوا ببراعة عبر مختلف المحطات الإخبارية عن الثورة الشعبية، والإنصات ملياً إلى أصوات مناضلات ومناضلين كانوا يقدمون شهاداتهم الحية من قلب الحدث بنبرة قوية ومضاء روح مقاتلة، والالتفات إلى هذا الحشد من السياسيين والقادة العسكريين والدبلوماسيين المنشقين، الذين ملؤوا الفضاء بإطلالاتهم البهية، ومواقفهم الشجاعة، وأدائهم الإعلامي الرصين حول شتى الملابسات التي حفل بها مسار الثورة، بما في ذلك موجبات قرار مجلس الأمن الدولي ومسوغات التدخل الجوي لحلف الناتو.
وهكذا، فنحن اليوم كشركاء في مصير عربي متماثل إلى حد بعيد، نعرب عن عمق سعادتنا بمثل هذا الاكتشاف الرائع لوجه ليبيا الحقيقية، وعن غبطتنا الشديدة بانتصار ثورتها التي كادت أن تغرق في دمها وتنقلب على نفسها، جراء ما خالطها من مظاهر تعثر واستعصاء ومراوحة. فقد منحنا هذا الانتصار العزيز أينما كنا، خصوصاً في سورية واليمن، أملاً متجدداً وثقة أعمق واطمئنانا أشد من ذي قبل، بأن الربيع العربي سيدوم أكثر، ويمتد أبعد وأوسع، ليطال بقية الفيافي القاحلة، ويفتح سائر قلاع الاستبداد المحصنة، تماماً على نحو ما كانت عليه البشائر المبكرة من تونس ثم مصر، وها هي اليوم من ليبيا الجديدة.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق