برامج دعم وعدالة مفقودة

تم نشره في الخميس 25 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 25 آب / أغسطس 2011. 02:46 صباحاً

لا شك أن سياسات الدعم الحكومي للسلع والمحروقات والإعانات ساهمت في تخفيف حدة الاحتقان الاجتماعي في عصر الثورات العربية لكن الكلفة العالية التي سيتكبدها الاقتصاد الوطني من زيادة في المديونية يجب أن تؤرق أي صانع قرار يرى أبعد من الفترة التي سيتولاها في منصبه.
والمشكلة ليست في مبدأ سياسات دعم تخفف من وطأة خطوات التحرير الاقتصادي التي أضرت بشرائح وأفادت شرائح أخرى لأن الانفاق الاجتماعي مبدأ رئيسي وحاجة ضرورية ومسؤولية الدولة لحماية شرائح لا تقوى على المنافسة في ظل سياسات اقتصادية منفتحة تخلق فرص عمل وفي ذات الوقت فجوات واسعة في الدخل. إلا أن مسألة توجيه مئات الملايين من الدعم لمستفيديه تبقى الأولوية حتى يتم تقنين تدفق الأموال للشرائح الأكثر استحقاقا.
 ورغم كل الحديث عن سياسات موجهة مستهدفة للفقراء والطبقات الأكثر حاجة نرى أن موازنات ضخمة تقررت وصرفت هذا العام لأجل احتواء غضب الشارع  ينقصها دراسات أعمق للشرائح المستفيدة. إن السخط المشروع من تبديد للمال العام في مشاريع كثيرة لم تؤت بثمارها يجب أن يحفز صناع القرار على العمل أكثر لتأمين أفضل توظيف للأموال غير المسبوقة التي تصرف في سياسات دعم المحروقات والسلع الأساسية. 
ونتساءل كيف يمكن في غياب المساءلة التشريعية وأطر الرقابة غير الرسمية أن يتم قياس فعالية الدعم الموجه للبلديات والجامعات والسلع الأساسية والإعانات المقدمة للكثير من المؤسسات العامة؟ وباتت المسألة ملحة لأن الدعم يزداد يوما بعد يوم بالرغم من كل الظروف الصعبة للمالية العامة ولأن تأمين الاستقرار المجتمعي بات اليوم الأولية دون سواها. نخشى غياب الرؤية الأبعد في هذا التوسع  في برامج متفاوتة للإنفاق الاجتماعي تجيء كردة فعل آنية على ما يحدث في محيطنا وتحت وطأة الحاجة الملحة لإرضاء الشارع.
 وما يعزز هذه  القناعة أنه يتم اليوم معالجة إرث مدمر لسنوات من التوسع غير العقلاني في الإنفاق الحكومي بنفس الطريقة إن لم نقل بأسوأ لأنه وكأنما وجد بعض صناع القرار ضالتهم في ما يحدث من مطالبات مشروعة لمزيد من الإنفاق لغايات المردود السياسي لا الاقتصادي أو حتى الاجتماعي. الحاجة اليوم ماسة لربط أكبر لبرامج الانفاق الاجتماعي ببؤر الفقر والعوز الحقيقية  المترامية لا لغايات الدعم الفئوي والإعالة غير المنتجة. والمطلوب أيضا أن تدرس تلك الإعانات التي يستفيد منها الغني قبل الفقير لإعادة توجيهها. وكم هو مناسب التذكير بأولويات التحصيل الحكومي بدون محاباة في كل أرجاء الأردن حتى نعيد ترسيخ مفاهيم العدالة المجتمعية التي غابت عنا في كثير من أوجهها وأضعفت هيبة الدولة وقوت فئات ولوبيات مجتمعية واحدة على حساب الأخرى.
ولا يمكن أيضا الانصياع فقط إلى الشرائح واللوبيات المجتمعية الأعلى في الصراخ والهتاف واستغلال النفوذ وتغييب الشرائح المنسية التي لا تقوى على ذلك ولا يصلها إلا القدر اليسير من برامج انفاق اجتماعي يقول القائمون عليه إنها تخدمهم قولا وتزيدهم تهميشا فعلا. المطلوب إنصاف أكبر في أوجهه إنفاق موازنات متعاظمة للانفاق الاجتماعي نراها اليوم في عصر الثورات ودعم  للمواد والسلع يكون أكثر تقنينا وترشيدا لمستحقيها على أسس المواطنة العادلة.

[email protected]

التعليق