محمد أبو رمان

عن "الفريضة الغائبة"!

تم نشره في الجمعة 19 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً

في محاولة لكسر "عزلة الكتب" في فصل الصيف، حيث يفضل الأهالي والفتيان في سويسرا الاستمتاع بالبحر والصيف، قرّر القائمون على مكتبة مدينة "بيل" أن يذهبوا هم إلى القرّاء على الشاطئ، ويفتحوا "خزائن الكتب" أمامهم، ليستمتعوا بالقراءة ويساهموا في نشر الثقافة والمعرفة.
هذه التجربة سرعان ما انتشرت، وتبنتها مكتبات عامة أخرى في سويسرا. بعض التجارب نجح، وبعضها فشل، لكنها أثارت ترحيباً واسعاً في أوساط العائلات والفتيان هناك.
وأطلقت مكتبة مدينة بيل/بيين على فرعها الصغير والمتنقل والمؤقت، اسم "مكتبة الشاطئ". وهو فرع بكامل معنى الكلمة، يؤمه المتنزهون والمستحمّون من أهالي المنطقة، ويبلغ عدد المستفيدين من خدماته أكثر من 100 قارئ يوميا، خلال الأسابيع الستة التي هي فترة العطلة المدرسية. وهذا دليل على أن المشروع الذي انطلق في العام 2006 قد كسب الرِّهان، واستطاع أن يثبت قدرته على الاستمرار. وتعرب إيديث مولهايم المسؤولة عن المبادرة عن سعادتها، فمنذ "اليوم الأول للافتتاح، كان الأطفال في انتظارنا". وأضافت: "في فصل الصيف، لا يأتي الأطفال والشباب إلى المكتبة، فقرّرنا، قبل سِت سنوات أن نذهب إليهم. وعليه، نقوم بتقديم القِـصص المصورة والمرسومة للشباب مجّانا، بينما نقدِّم للكبار المجلات والروايات القصصية والكُتب التي تحتوي على موضوعات خاصة بفصل الصيف".
تفتح مكتبة الشاطئ أبوابها يوميا من الساعة الثانية بعد الظهر وحتى الثامنة مساء، وذلك كامل أيام الأسبوع، ويُختار لها 600 كِتاب، باللغتيْن الألمانية والفرنسية، فضلا عن بعض الكُـتب المسموعة، مع المحافظة على تحديثها باستمرار، بحيث تُبقي على شغف القارئ من الصبايا والصبيان. وبالإضافة إلى إثراء العروض والأنشطة الثقافية الصيفية في المدينة، فإن المبادرة تهدف أيضا إلى تشجيع القراءة خارج المدرسة والمكتبة. رغم أنّ هذه المبادرة تبدو للوهلة الأولى ممكنة، بقليل من الجهد لدينا هنا، إلاّ أنّها في جوهرها وطبيعتها تختزل معاني كبيرة نفتقدها في مجتمعاتنا. لا يمكن التقليل من وطأة الظروف الاقتصادية والضغوط السياسية والاجتماعية على المواطن العربي، لكن – بلا شك- هنالك أيضاً عامل ثقافي أساسي، يفسّر هذه الفروق والاختلافات.
يظهر هذا الاختلاف بوضوح في مقارنة مشهد ركاب يستقلون الحافلات العامة أو الطائرة؛ إذ قلّما تشاهد طفلاً أو أمرأة أو شيخاً كبيراً في الطائرة من الغربيين لا يمسك كتاباً أو رواية أو قصة، بينما نادراً –للآسف- ما تلحظ هذا في العالم العربي، بل أصبح نادراً أن نشاهد شخصاً يركب سيارته أو يمشي في الشارع من دون أن تراه يتحدث في الهاتف المحمول دقائق طويلة، أو يفقد الساعات والأيام فيما لا يجدي من الكلام والعمل!
صحيح أنّ الشعوب العربية بدأت اليوم تجتاز الخط الفاصل بين الحرية والاستبداد، وأنّها بعد قرون طويلة قد تنعم أخيراً بدولة تحترم فيها كرامة الإنسان وحريته، إلاّ أنّ المسافة ما تزال طويلة باتجاه نهضة المجتمعات العربية نفسها، اقتصادياً واجتماعياً، وحتى ثقافيا، كي تترسّخ تقاليد وثقافة جديدة تبدأ من القيم العليا وتصل إلى "فن إدارة الحياة اليومية"، وبناء ثقافة استهلاكية غير مشوّهة أو هجينة، بل تتسق مع نمط الانتاج والتفكير. الديمقراطية والتقدم لا يأتيان من فراغ، فهنالك روافع ثقافية ومجمتعية واقتصادية، وهي عملية متراكمة ومتواصلة، تحتاج إلى جهود إصلاحية متكاملة تبدأ بالمفاهيم الدينية وتنتهي عند علماء الاجتماع والنفس.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مكتبات الوطن (زكي محمد)

    الجمعة 19 آب / أغسطس 2011.
    أذكر بعد تخرجي من الجامعة اﻷردنية كيف كنت أرجو رجال اﻷمن السماح لي بالدخول إلى الجامعة و استخدام المكتبة.
  • »شكر وتعليق (اردني)

    الجمعة 19 آب / أغسطس 2011.
    مقالة جملية وسلمت يداالكاتب اصاب فيها عين الحقيقة لكن المشكلة في عدم وفرة المكاتب في البلاد العربية وغلاء الاسعار في الغالب هذا للمطالعين والقراء دون ذكر الذين لم يفتحوا كاتب بعد الدراسة.
  • »المكتبات في دبي (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 19 آب / أغسطس 2011.
    في عام 1986 اوفدت الى دولة الامارات كخبير امم المتحدة للمكتبات والتوثيق والاعلام لأنظم المكتبة العامة وانشاء اربعة فروع للمكتبة العامة
    ، وتدريب الموظفين .وفي النهاية قدمت المخطط ، وقدمته لرئيس البلدية السيد سلطان ..وقضيت ما يقارب من الشهرين
    ما دفعني للتعليق على المقال اعلاه هو أنني تمكنت من خلال المكتبة العامة والفروع الأربعة من تغطية كافة احتياجات دبي .انما بقي قسم بعيد في الصحراء وعلى الساحل الممتد .فقمت بتصميم كرفان من 10 جمال ، وعليهم ما يشبه الهدوج الثابت لاحتواء الكتب دون وقوعها عندما يقوم او ينزل الجمل بحركاته الأربعة .وأخترت عشره جمال .فكل جمل يحمل كتب التصنبف العشري لنظام ديوي .واقترحت ان الجمال يمكن ان تغطي داخل الصحراء التي بها سكان .أما السكان على السواحل فاقترحت أن نصتصلح احدى السفن الامارتية الصغيرة لنضع بها الكتب ونصل الى اطول عمق في الساحل الأماراتي ..
  • »دائما (mysa)

    الجمعة 19 آب / أغسطس 2011.
    كلام رائع وصحيح بكل معانيه