الصهيونية تأكل أبناءها

تم نشره في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 03:42 صباحاً

يقف حكام ومسؤولون كبار في إسرائيل أمام موجة الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة هناك، مستغربين ومتسائلين: ما سبب هذه الاحتجاجات التي تأتي في الوقت الذي تُسجل فيه أعلى نسب النمو الاقتصادي بين الدول المتطورة، والبطالة تصل إلى أدنى مستوياتها منذ 24 عاما، والفقر بين اليهود بالكاد يصل إلى 12 % مقابل حوالي 50 % لدى فلسطينيي 48؟
أسئلة المسؤولين الاسرائيليين، ومن بينهم محافظ بنك إسرائيل ستانلي فيشر، وبطبيعة الحال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وغيرهما، هي أسئلة كثيرة، وفي خطوطها العريضة لها أساس حقيقي بموجب المنطق القائم في إسرائيل، وهذا ما يعزز لدى أوساط الحكومة وأحزاب اليمين المتشدد نظرية المؤامرة، بأن جهات سياسية تقف خلف هذه الاحتجاجات، كي تضعف حكومة نتنياهو في الشهر المقبل، بالتزامن مع صدور قرار الأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
حقيقة أن المعطيات التي يتحدث عنها هؤلاء المسؤولون صحيحة، فاسرائيل لم تطلها الأزمة الاقتصادية العالمية التي نشبت العام 2008 سوى لبضعة أشهر قليلة، وسرعان ما خرجت منها، لتعود إلى مسار النمو الاقتصادي بوتيرة سريعة. ولكن في نفس الوقت يتناسى فيشر تقريرا أعده بنفسه، وقال فيه إن ثمار النمو الاقتصادي بقيت محصورة عند كبار المستثمرين ولم تصل إلى الشرائح الدنيا.
كذلك، فإن المسؤولين يتناسون أن كل التقارير الاقتصادية العالمية التي تصدر تباعا منذ سنوات تؤكد أن في إسرائيل أكبر الفجوات الاجتماعية على الإطلاق بين الدول المتطورة، ما يجعل الشرائح الوسطى "تنتفض غضبا"، وهي تشعر أنها لا تأخذ حصتها من "العسل" المتدفق على "دولتها".
قبل بضعة أسابيع، نُشرت في إسرائيل قائمة أكبر 500 ثري في إسرائيل، بطبيعة الحال كلهم من اليهود باستثناء عربي واحد يحل في المرتبة "الدنيا" 490. ولكن قبل ذلك، ظهر بحث اقتصادي بيّن أن 22 مجموعة اقتصادية تسيطر على
 50 % من الاقتصاد، والرقم الأبرز هو أن 10 عائلات في إسرائيل تسيطر على
 30 % من الاقتصاد ككل، وهي صاحبة نفوذ ضخم في المؤسسة الحاكمة.
وفي الشهرين الماضيين نشرت صحيفة "يديعوت أحرنوت" على موقعها الالكتروني (واينت)، سلسلة تقارير حول اليهود في الولايات المتحدة، وكيف جمعوا ثروتهم هناك. ولو أن أحدا ليس يهوديا كتب هذا التقرير لاتهموه باللاسامية، إذ يتباهى التقرير بسيطرة اليهود على مفاتيح كبرى في الاقتصاد الأميركي وعلى الكونغرس والوظائف الكبرى في البيت الأبيض، والأهم الأهم، على كبرى وسائل الإعلام، والقائمة تطول.
وفي هوامش هذا التقرير، تذكر كاتبته ما واجهه اليهود في روسيا القيصرية من نقمة عامة في العام 1887 في أعقاب أزمة اقتصادية كبرى. وفي الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الولايات المتحدة قبل نحو ثلاثة أعوام وما تزال آثارها تعصف، قرأنا الكثير من التقارير التي حملت أصابع اتهام وجهت لأثرياء يهود كبار في أميركا.
لم تنشأ الصهيونية في نهاية القرن التاسع عشر سعيا لبناء إسرائيل التوراتية، ولم يُقم هذه الحركة رجال دين يهود، بل رجال أعمال ومستثمرون ومن يدورون في فلكهم، سعوا لإيجاد بقعة جغرافية في العالم يجتمعون فيها تحت غطاء ديني لتضمن مصالحهم الاقتصادية. ولهذا ليس صدفة ان ثيودور هرتسل راح يفكر بإقامة إسرائيل في أوغندا، وفي نهاية المطاف كانت الضحية فلسطين.
نقول، مرحليا، يبدو أننا أقرب من أي وقت مضى لرؤية نقطة الصدام بين الصهيونية المستشرسة سياسيا واقتصاديا، وبين الجمهور اليهودي الواسع، والذي هو في الجوهر كباقي المجتمعات، يريد ممارسة حياة طبيعية وبمستوى معيشي يتناسب مع معطيات الزخم الاقتصادي التي يقرأها تباعا، ولكنه على مر السنين بات أسير دعاية الترهيب والتخويف الصهيونية من العدو الذي يريد أن يقضي على وجوده، وأن واجب "الشعب" أن يقتطع من لقمة خبزه لتمويل آلة الحرب الإسرائيلية، في حين أن كبار الأثرياء في إسرائيل يجعلون من الصراع الإسرائيلي-العربي أيضا مصدر ثراء فاحش، أسماه شمعون بيرس بنفسه: "رأسمالية خنازيرية" ليصف وحشيتها في إسرائيل، رغم أن بيرس هو أيضا من الأثرياء الكبار.
نحن أمام أزمة داخلية إسرائيلية أخرى، قد تهدأ بعد أسابيع قليلة، ولكنها حتما ستنشب مجددا، وسوية مع أزمات أخرى وكثيرة ستحسم مستقبل الكيان.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عنوان موفق جدا ومعلومات مهمة (أحمد عزم)

    الخميس 18 آب / أغسطس 2011.
    كالعادة مقال به الكثير مما يستحق الانتباه. لكن العنوان تحديدا لافت. ولعلي أضيف لما في المقال أهمية الخلاف بين فكرة تمويل الاحتلال وتمويل المتدينين في القدس الغربية على حساب اليهود داخل إسرائيل ذاتها ليضيف ذلك إلى فكرة الصهيونية تأكل نفسها