المسؤولية الاجتماعية للبنوك في منتصف 2011.. عطاء متجدد ومتحفظ

تم نشره في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 18 آب / أغسطس 2011. 04:19 مـساءً
  • › مقالات سابقة

تحتل المسؤولية الاجتماعية للشركات والبنوك اهتماماً متزايداً من إدارات الشركات سنة بعد سنة. فثقافة العطاء والتطوع وأعمال الخير ودعم المجتمع المحلي باتت متجذرة أكثر فأكثر لدى مؤسسات القطاع الخاص، لا سيما وأنها أصبحت تشكل إحدى المعايير لتقييم أداء الشركات والبنوك، إلى جانب المعايير المتعلقة بجودة الإنتاج ونوعية الخدمة ومستوى الأسعار وتحقيق الأرباح وغيرها.
وهكذا، نجد البنوك الأردنية تسجل، وللمرة الأولى، دخولها في منافسة بين بعضها بعضا، ليس على حجم الودائع ومستوى المداولات في السوق المالي، بل على مبادرات العطاء الاجتماعي وبرامج المسؤولية الاجتماعية التي أصبحت تشكل ركناً أساسياً من أعمال البنك، وأصبحت تُرصد لها الموازنات الخاصة بها وتُعين لها الدوائر والكوادر المتخصصة في هذا الموضوع، إلى جانب التواصل المؤسسي مع الإعلام حول هذه البرامج الاجتماعية.
ومن رصد الأعمال والأنشطة الاجتماعية التي نفذتها البنوك الأردنية على مدار الأعوام السابقة، يلاحظ حصول نقلة نوعية وكمية في المبادرات الاجتماعية التي تبنتها هذه البنوك في النصف الأول من العام الحالي 2011. فبمقارنة المسؤولية الاجتماعية للبنوك في النصف الأول من العام 2011، بالنصف الثاني من العام الماضي 2010، يلاحظ العديد من التطورات:
فقد ارتفع عدد البنوك التي تبنت مبادرات اجتماعية من 11 بنكاً في النصف الثاني من العام 2010، إلى 13 بنكاً في النصف الأول من العام 2011، لتشكّل هذه البنوك نسبة 81 % من البنوك الأردنية، بعد أن كانت نسبتها 69 % في النصف الثاني من العام 2010.
الملاحظة الثانية الجديرة بالاهتمام هي مجموع عدد المبادرات الاجتماعية التي نفذتها البنوك في الأشهر الستة الأولى من العام 2011، والتي ارتفعت بشكل قياسي من 64 مبادرة في النصف الثاني من العام 2010 إلى 83 مبادرة، أي بزيادة نسبتها 30 %. ويأتي هذا بخلاف الاعتقاد السائد بأن الأنشطة الخيرية للشركات تتزايد وتنشط في شهر رمضان المبارك، فقد أثبتت القراءات أن الممارسات الاجتماعية إنما ازدادت في الفترات التي لم يصدف حلول شهر رمضان خلالها.
وفي سياق متصل، لوحظ حصول تناقلات كبيرة في مراتب البنوك من حيث تصدرها للعدد الأكبر من المشاريع الاجتماعية، حيث تقدم أحد البنوك من المرتبة السادسة إلى المرتبة الثانية من جهة عدد الأنشطة الاجتماعية. من جانب آخر، من المهم الإشارة إلى أن 55 % من مجموع المبادرات الاجتماعية التي نفذتها البنوك في النصف الأول من العام 2011، جاءت بمبادرة من ثلاثة بنوك فقط.
ومن حيث مجالات وقطاعات المسؤولية الاجتماعية، تركز أكثر من نصف المشاريع الاجتماعية للبنوك في النصف الأول من العام 2011 في مجالين اثنين، هما: أولاً، رعاية الفعاليات، وتشمل المؤتمرات والمحاضرات والمسابقات، حيث توجهت 30 مبادرة من أصل المبادرات الـ83 إلى مجال الرعاية، وبواقع 36 % من مجموع المبادرات؛ وثانياً، مشاريع تنمية المجتمع المحلي، والتي بلغ عددها 16 مشروعاً من أصل الـ83 مبادرة، مشكّلة ما نسبته 19 % من المبادرات. ولوحظ تراجع الاهتمامات بمواضيع العنف والصحة والحوادث المرورية، والتي حلت مكانها البرامج الشبابية والبيئية. هذا، وتوزعت بقية المشاريع والبرامج الاجتماعية على ستة قطاعات، هي: موظفو البنك بنسبة 12 %، الطفولة 11 %، المدارس 7 %، الثقافة 5 %، البيئة 4 %، وعملاء البنك 4 %.
كما حصلت تغيرات نوعية على أسلوب نشر البنوك لأعمالها وأنشطتها الاجتماعية التي تمت خلال الأشهر الستة الأخيرة فقط. ففي حين كانت البنوك كافة، ومن دون استثناء، تدرج برامجها الاجتماعية تحت بند "الأخبار" على مواقعها الإلكترونية، والذي تُضمّنه جميع أخبارها من تلك المتعلقة بافتتاح الفروع الجديدة إلى طرح برامج تمويلية وخدمات مصرفية وإعلان النتائج المالية السنوية وغيرها، ولا تذكر تواريخ تنفيذ المشاريع الاجتماعية؛ أصبحت معظم البنوك تعير الاهتمام الكبير لأسلوب النشر عن أخبارها وأعمالها الاجتماعية، إذ أخذت تحرص على تدوين النشاط وتثبيت تاريخه وهدفه والجهة المستهدفة منه. إلى جانب ذلك، سجل أحد البنوك سابقة بإفراد بند خاص بمسمى "المسؤولية الاجتماعية" على موقعه الإلكتروني، يدوّن فيه فقط النشاطات المتعلقة مباشرة بالعمل الخيري والعطاء والتبرعات.
في خضم ذلك كله، يبقى السؤال المُلِح: هل هذه البرامج هي فعلاً برامج العطاء والتطوع وخلق القيمة الاجتماعية والمساهمة في المسؤولية تجاه المجتمع، وفي ظل تفاقم حدة الفقر وانتشار جيوبه وتآكل الطبقة المتوسطة في المجتمع وتزايد العاطلين عن العمل، وهل تتمثل المسؤولية الاجتماعية فقط في رعاية المؤتمرات، أم تتعداها إلى ما هو أكثر استدامة وأكبر تغييراً وأعمق أثراً في المجتمع؟
يبدو من القراءة أعلاه أن البنوك راغبة في توسيع نشاطها الاجتماعي، ومؤمنة بأهمية دور العطاء في المجتمع، لكن بتحفظ. فهناك انتشار كبير في المبادرات الاجتماعية، لكن أكثر من ثلثها متركز في رعاية المؤتمرات. ورغم كل ما تنطوي عليه من دعم البنوك للحركة الثقافية والعلمية والرياضية، وبكل مع تتضمنه من تخصيص لمبالغ باهظة، إلا أن اختيار هذه المبادرات التي ينتهي أثرها بانتهاء الحدث أو النشاط، إنما يؤشر إلى حالة من التردد والتحفظ في طرق الأبواب الاجتماعية التي تستهدف تحقيق الأثر الملموس وخلق القيمة الاجتماعية المستدامة.
فهل السبب هو غياب ثقة البنوك بالمؤسسات الوسيطة التي توصل الدعم إلى الفئات المستهدفة، ما يجعل البنوك تتحفظ في أدائها لتقصر معظمه على الرعاية، وهل بالإمكان إعادة تخصيص أموال الرعاية لضخها في قنوات اجتماعية أكثر مؤسسية وأطول استدامة، أم هل تستنفد هذه البرامج كوادر ووقتاً وجهداً كبيراً في المتابعة؟ الأسئلة كثيرة، لكنها لا تقلل من تقديم التحية للبنوك على عطائها المتدفق في الميدان الاجتماعي، وتقديمها مثالاً على القطاع الخاص المسؤول اجتماعياً.


د. مي عصام الطاهر

* مديرة مركز بصر لدراسات المجتمع المدني.

التعليق