إبراهيم غرايبة

مكافحة الفساد: دروس عامة لا نموذج واحد

تم نشره في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2011. 03:40 مـساءً

يناقش كتاب "الفساد والحكم: الأسباب، العواقب، الإصلاح"، للمؤلفة سوزان روس-أكرمان، التأثير السياسي والحضاري والاقتصادي للفساد على المجتمعات والأمم والدول، ويقترح وسائل للإصلاح ومكافحة الفساد ودور المجتمع الدولي في السيطرة عليه، وكذلك التشريعات والديمقراطية. كما يوضح أيضا دور المجتمع الدولي والشركات متعددة الجنسية في تكريس الفساد.
التأثيرات الاقتصادية للفساد
تستخدم الرشاوى على نطاق واسع للحصول على منافع أكبر، ولانتهاك القوانين، واستصدار رخص العمل والتجارة واستخدام المرافق والموارد العامة، وللتهرب من الضرائب أو تخفيفها، وانتهاك قوانين حماية البيئة، ومنح الحصانة للجريمة المنظمة.
ويستخدم مسؤولون حكوميون حرية القرار المعطى لهم لتعديل نشاطهم من أجل منفعة مادية شخصية لهم، مثل تقليل فرص الخدمات أو تأخيرها أو منعها.
وقد يدمر ذلك شرعية الحكومة ومصداقيتها، وانضباط الناس مع القوانين والأنظمة. والفساد الذي يضرب جذوره في الطبقات العليا للموظفين يمكن أن يؤدي إلى تشوهات خطيرة في طريقة عمل المجتمع والدولة، فالدولة تدفع الكثير من النفقات مقابل تدابير ضخمة لا تحصل من ورائها إلا على القليل من الامتيازات. والموظفون الفاسدون يدمرون خيارات القطاع العام مقابل الحصول على أجور كبيرة، ووضع سياسات غير فعالة وغير مناسبة، وتنفق الحكومات أكثر مما يلزم حتى على المشاريع الجيدة أو على مشاريع غير مفيدة.
ويقلص الفساد المكاسب المتأتية من الخصخصة وعوائق الامتيازات. فالشركات التي تحتفظ بالقدرة على الاحتكار بالرشوة، فإنها تحد من فعالية المكاسب التي قد تحققها الدولة بنقل مؤسساتها العامة إلى ملكية القطاع الخاص.
إن البرنامج الحكومي حين لا يعود يخدم هدفا عاما فإن القيود التي يفرضها تخلق فرصا للفساد، والحل هنا هو الإلغاء وليس الإصلاح، وقانون الجرائم هو الخط الثاني للإصلاح البنيوي. ولكن يجب الأخذ بالاعتبار أن التشدد في مكافحة الفساد يخلق حوافز جديدة للفساد، فالهدف من تطبيق القانون يجب أن يكون عزل أنظمة الفساد وتنظيم الجهود لجعل الفساد مكلفا لصاحبه.
ويأتي في المرتبة الثالثة إصلاح المشتريات وإعادة النظر فيما تشتريه الحكومة وكيف تشتري. ومن أنظمة الإصلاح في هذا المجال تأهيل المتعهدين وتطوير خبراتهم وبناء طرق أكثر شفافية والتفاوض معهم، ويمكن أيضا اعتماد العلامات التجارية والبضائع المعيارية.
ومن أهم وسائل مكافحة الفساد إصلاح نظام الخدمة المدنية، ومن ذلك إصلاح الأجور والرواتب وربطها بالإنتاجية، وإصلاح الأنظمة التي تعطي الفرص للفساد ومخالفة القوانين، والبدء بالإصلاح من القمة وأن يطال الإصلاح الأغنياء والفقراء معا.
الفساد مشكلة حضارية
تتحرك الحضارة وتتغير باستمرار، وقد ينظر البعض إلى عدد من التصرفات على أنها فساد، في حين ينظر إليها البعض الآخر على أنها نوع من الهدايا. وقد ينظر إليها في زمن على أنها من الواجبات، ثم ينظر إليها في مرحلة أخرى على أنها نوع من الفساد. ولكن إذا أدت هذه التصرفات إلى تكاليف خفية أو غير مباشرة على الجمهور فيجب على المحللين أن يحققوا ويقوموا بتوثيقها.
وتعريف التصرف المقبول قد يتغير عندما يصبح الناس على علم بالتكاليف التي قد يتكبدونها نتيجة سكوتهم عن الدفعات التي يقبضها السياسيون والموظفون المدنيون. وقد يتعلم الخبراء شيئا جديدا عن تنظيم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية من خلال دراسة الأنشطة التي تشكل فيها "العقود الضمنية" الإطار الوحيد للصفقات التي تدخل فيها العلاقات الشخصية في صلب الحياة الاقتصادية.
ويبقى الفساد دائما هو استعمال السلطة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية. وهذا يعني ببساطة وجود تمايز بين دور الشخص ضمن عمله في القطاع العام وبين دوره الشخصي.
وتشير المسوحات الرسمية والحوارات غير الرسمية إلى أن الإحباط ملازم للفساد، وأن التعابير التي تنم عن التسامح والتحمل تعكس أحيانا التراجع والخوف من الانتقام ضد أولئك الذين يتذمرون.
وقد تفرض الهدايا حتى لو كانت مقبولة تكاليف خفية لا يتقبلها المواطنون. وتستطيع المجتمعات أن تسأل نفسها إذا كانت قد خلصت إلى عادات ثقافية تفرض تكاليف على إمكانية نمو الاقتصاد وعلى كفاءة الحكومة في تأدية عملها.
وربما يمكن التمييز بين الرشاوى وبين الهدايا والهبات ولكن جذورها أحيانا يمكن أن تكون متشابهة، وبخاصة إذا كانت ضمن المنفعة المتبادلة "أخدمني.. وأخدمك".
وينظر الناس إلى الروابط الشخصية مع الموظفين على أنها أمر ضروري لإنجاز الأعمال، ويعتقدون بضرورة مكافأة الموظفين الجيدين بتقديم الهدايا لهم.
الفساد مشكلة سياسية
يمكن أن تدخل إقامة الديمقراطية في استراتيجية مكافحة الفساد. فالرغبة في إعادة الانتخاب تقيد جشع السياسيين، وحماية حرية الرأي والحريات المدنية التي ترافق عادة الانتخابات الديمقراطية تتيح المجال للشفافية والانفتاح في الحكومة، والعكس صحيح أيضا.
ولكن ظهر كثيرا تورط السياسيين المنتخبين في الفساد، فلا تنجح الأنظمة الديمقراطية دائما في ضبط الفساد.
والحكام الفاسدون يدعمون السياسات التي تجني الأرباح الشخصية لهم، حتى لو أدى ذلك إلى هبوط الدخل القومي، مثل بناء مطارات وطرق لا لزوم لها ولكنها تتيح عمولات ورشاوى وافرة. وكان موبوتو، الرئيس السابق للكونغو، يسيطر على ثلث ميزانية الدولة، ويتشارك في الأرباح مع كبار الموظفين ومفتشي الجمارك.
والحاكم الفاسد القوي ينظم الدولة بطريقة تساعد على زيادة مكاسبه الشخصية، والشركات الخاصة القوية والفاسدة يمكنها انتزاع مستويات عالية من المكاسب.
والفساد يولد الفساد، وينشئ شبكة معقدة من الرشاوى والأنظمة الفاسدة متعددة المستويات. والأمانة أيضا تولد الأمانة، ويواجه المصلحون في البيئات التنافسية مهمة صعبة تتمثل في تشجيع دوائر الكسب المشروع والشريف، وفي نفس الوقت يتجنبون دوائر التخريب.
الديمقراطية والفساد
تستطيع الديمقراطية تقييد الفساد إذا قدمت للناس سبلا للاحتجاج، وأعطت الموظفين الحوافز للأمانة. ومع ذلك، فإن الديمقراطية ليست دواء لجميع العلل والمشكلات، ويحب عدم الذهاب إلى أبعد من العلاقات البسيطة من أجل تقييم أشكال الديمقراطية.
وتوجد ثلاثة أبعاد مركزية في تحديد حدوث الفساد السياسي، وتؤثر هذه الأبعاد على مدى رغبة السياسيين في تقبل الرشاوى وتمويل الحملات الانتخابية غير القانونية، وعلى مدى تحمل الناخبين لمسألة دفع الرشاوى، وعلى رغبة الفئات الغنية بالدفع.
البعد الأول هو توفر امتيازات ضيقة التركيز لتوزيعها من قبل السياسيين، والبعد الثاني هو مقدرة الفئات الغنية على الحصول على مثل هذه المكاسب بطريقة قانونية، والبعد الثالث هو الاستقرار المؤقت للتحالفات السياسية.
ويظهر عدم الاستقرار من التنافس على غنائم المناصب، وقد يظهر أيضا من الحكومات التي تدير مجتمعات غير متجانسة عقائديا. ويمكن لعدم الاستقرار أن يدفع السياسيين والمصالح الغنية إلى الحصول على ما أمكن من المكاسب الخاصة على المدى القصير، كما يمكن للإصلاحات أن تركز على أي من هذه الأبعاد أو عليها جميعا.
فيمكن أولا للنظام أن يعزل السياسيين عن ولوج بعض الخيارات الشخصية، أو أن يقوم بتغيير بينة النظام الانتخابي لإعطاء السياسيين حافزا كبيرا من أجل إرضاء قاعدة عريضة من الناخبين، ويمكن ثانيا لحملات التثقيف المدنية أن تعلم الناخبين أن يطلبوا منافع عامة من النظام السياسي وليس مكاسب خاصة.
فقد يظهر هذا الأمر الفساد أمام فئة ضيقة وكأنه خيار وحيد، ولكنه يجعل من قبول الرشاوى استراتيجية خطيرة للسياسي الذي يريد أن يصنع مستقبلا.
وتسعى الإصلاحات البنيوية إلى إيجاد استقرار أكثر ولكن من دون أن تدفع بالضرورة في اتجاه نظام أوتوقراطي، فالسياسيون يجب أن يقلقوا من احتمال خسارتهم لمناصبهم ولكنهم يجب أن يؤمنوا بأن إعادة انتخابهم أمر وارد.
وإذا كانت الانقسامات التي توجد عدم الاستقرار مبنية على أسس عقائدية أو اجتماعية فإن الإصلاحات يجب أن تعطي السياسيين حافزا لاستيعاب قاعدة عريضة من الأفكار أو من التعدديات الاجتماعية.
الإصلاح
لا تعتبر الانتخابات الديمقراطية علاجا ثابتا للفساد، بل على العكس من ذلك فإن بعض النظم الانتخابية تعتبر عرضة لنفوذ المصالح الشخصية أكثر من غيرها، وعندما تسيطر على السلطة فئات ضيقة المصالح، فإن بعضها قد يستخدم طرقا قانونية والبعض الآخر يتبع طرق الفساد.
 واختيار هذه التكتيكات يتأثر بطبيعة النظام السياسي، والانتخابات التنافسية في جميع الديمقراطيات تساعد على الحد من الفساد السياسي بسبب وجود حوافز لكشف فساد المنتخبين لدى مرشحي المعارضة، ومع ذلك فإن الحاجة إلى تمويل الحملات السياسية تدخل حوافز جديدة لمصلحة من المصالح الخاصة غير موجودة في الأنظمة الأوتوقراطية.
 وهذه الحوافز قد تكون عالية حين تقوم الحملات الانتخابية بتخصيص مكافآت للناخبين، بمعنى أن يقوم السياسيون برشوة الناخبين، ويمكن للتبرعات غير القانونية التي تدعم الحملات السياسية إضافة إلى رشوة السياسيين أن تؤدي إلى إحداث اختلال في الأنظمة الديمقراطية، حتى لو قدمت الرشوات المقدمة من قبل الأفراد الأغنياء والشركات فائدة للجان الحملات والأحزاب والسياسيين والناخبين، وليس لحسابات بنوك السياسيين، فإن التأثير التخريبي للدفعات السرية غير القانونية يمكن أن يكون كبيرا، فمثل هذه الدفعات تقدم في الغالب للحصول على امتيازات قانونية وتنظيمية، ولكن فعاليتها تعتمد على تنظيم الطرق التنفيذية والقانونية، وتركز الشركات الفاسدة والأفراد الفاسدون على الحصول على امتيازات خاصة للشركات أو للأفراد.
ولا تكفي الانتخابات لإيقاف مثل هذه الدفعات، وتبقى هناك ضرورة لوجود إشراف حكومي من أجل المحافظة على مساءلة الحكومة، فالحكومات الديمقراطية يجب أن تضع سياسات واضحة للحد من حوافز الفساد.
المجتمع الدولي والإصلاح
بدأ التوجه للإصلاح ومكافحة الفساد يدخل ضمن العمومية والشمول، وبدأ المتخصصون في التنمية يدركون أن التركيز التقليدي على سياسة الاقتصادات الكبرى ومشاريع البنى التحتية الكبيرة ليس كافيا، ولها انعكاسات سلبية إلى الوراء. ففي دولة ضعيفة المؤسسات سياسيا وبيروقراطيا، وفي سوق لا تعمل بكفاءة، يمكن لمساعدات التنمية أن تفشل في إعطاء نتائج إيجابية، ولكن منظمات الإغاثة العالمية والمنظمات المقرضة بدأت تسيّر خطواتها الأولى نحو الإصلاح، ولم يعد الفساد محظور الذكر، فقد تم سحب عدد من مشاريع البنك الدولي بسبب وجود دلائل على الفساد، رغم أنه لم يعلن عنها.
كما أن صندوق النقد الدولي أخذ يطلب من البلدان التي تشترط كفالة للموافقة على إجراء إصلاحات حكومية وسياسية أن تخفض مستوى الفساد فيها، إلا أن الشكوك تبقى حول مدى عمق هذه الالتزامات. ولعل أي محاولة جادة للتعامل مع الموضوع قد تتطلب مواجهات مع العديد من المقترضين والمقرضين الذين تدفع مؤسساتهم رشاوى في الدول النامية. ويمكن رؤية مشاكل البنك الدولي بسهولة في الوثيقة التي وقعها حول سياسته في مساعدة الدول على محاربة الفساد العام 1997.
إذ لم يرد اسم أي دولة في الوثيقة ما عدا ذكر مختصر لثلاث دول بدأت بالإصلاح. إلا أن التغيير لا يمكن أن يحصل ما لم تقم الدول بالاعتراف بالمشكلة والتعامل معها بطرق بعيدة كل البعد عن طرق مطاردة الساحرات. فغالبا ما تنشأ حملات مكافحة الفساد من قبيل الرغبة لدى من هم في السلطة لتسفيه خصومهم. كذلك، يجب على البنك الدولي ألا يلتزم قالبا محددا مما نجح أو طبق في دولة معينة، فالحضارة والتاريخ إضافة إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية الحالية تؤثر على طبيعة المشكلة وأنواع الحلول المعقولة لها.
وقد أظهر هذا الكتاب أن هناك العديد من الدروس العامة التي يمكن اقتباسها من الفهم الأساسي للحوافز الاقتصادية، وهذه الدروس لا يمكن تصنيفها ضمن نموذج قياس "الواحد للجميع" ولكن يجب تطبيقها بتقدير يضع حساسية ظروف الدولة في الاعتبار. وتعكس اقتراحات البنك الدولي الحالية مثل هذا المنظور، ويبقى السؤال: هل يقوم بتطبيق سياسة نشطة في هذا الاتجاه، أم يسعى إلى تهدئة منتقديه الأعلى صوتا من خلال طرح إيماءات رمزية؟
كذلك يمكن إثارة بعض الشكوك حول التحرك نحو عقد اتفاقيات إقليمية ودولية، وقد شكلت معاهدة منظمة دول أميركا (OAS) واتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بداية جيدة، ولكن كلتا المعاهدتين يجب أن تترافقا مع إيجاد مؤسسات للمراقبة والتطبيق يمكنها إعطاء حافز جديد لدفع المتضررين من الفساد إلى تقديم الشكوى، عدا ذلك فلن تكون الوثائق الدولية أكثر من تصريحات لآمال زائفة.  
الفساد والحكم
تأليف: سوزان روز أكرمان
ترجمة: فؤاد سروجي
عمان: الأهلية للنشر، 2003
435 صفحة

التعليق