عيسى الشعيبي

ربيع عمان.. أولى الزنابق تتفتح

تم نشره في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 17 آب / أغسطس 2011. 04:40 مـساءً

ينبغي للمثقف الهاجس دائماً بحس نقدي لا يجامل، وللسياسي المسكون بروح معارضة لا تلين، ولكل من تخاطبهم التعديلات الدستورية، أن يطالبوا بالمزيد منها، وأن يقولوا بالفم الملآن، كل على طريقته، إن هذه الإصلاحات غير كافية، وإنها ناقصة أيضا، ليس باعتبار مثل هذه المواقف غير المهادنة مجرد حق غير قابل للامحاء فحسب، وإنما باعتبارها أيضاً واجباً من واجبات كل مشتغل بالحياة العامة عليه أن يؤديه بأمانة.
غير أن هذا الموقف النقدي أو ذاك ينبغي لصاحبيهما بالمقابل، وبالدرجة ذاتها من الوضوح والاستقامة، أن يستبشرا بهذه النقلة النوعية الفارقة في الحياة السياسية الأردنية، وأن يرحبا، مع كل التحفظات الممكنة، بهذا التطور الواعد بفتح أبواب أكثر رحابة على استكمال العملية الإصلاحية بكل جوانبها المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، والانتخابات البرلمانية، والقضاء المدني، والمساواة والمواطنة، وغير ذلك من المطالبات التي وقفت أساساً وراء الحراك الاجتماعي خلال الأشهر القلية الماضية.
وإذا كان من الصحيح أن هذه التعديلات أتت أقل من حجم التوقعات، وأدنى من مستوى الآمال التي راودت عقول وقلوب النخب الإصلاحية طويلاً، فإن من الصحيح كذلك أن هذه التعديلات عبرت بكل من المجتمع والدولة معاً من عنق الزجاجة بلا آلام كبيرة، وجسدت من غير عنف إرادة مشتركة في التغيير الذي يلامس جملة من الرغبات الوطنية الجامعة، وتساوقت إلى حد بعيد وبدون إكراه مع مناخات الربيع العربي، الذي أطلع بنفسجات يانعة فاضت بها عدد من البساتين غير النائية.
وإذا ما انتقلت هذه الإصلاحات من حيز النصوص والنفوس إلى أرض الواقع المعاش بسلاسة، أي بدون مراوغات وتردد ومحاولات كبح قد لا يتورع عنها ذوو العقليات المحافظة، فإن من المقدر لهذا البلد أن ينتقل إلى مرحلة جديدة، لا تقطع مع الماضي ولا تتنكر لخاصياته الفريدة، وإنما تبني على ميزاته النسبية، وتراكم على سجله الخاص كبلد تميز دائماً بالاعتدال والوسطية والواقعية، وظل متمسكاً بإرثه الجميل في التسامح حتى مع ألد خصومه في الداخل.
ذلك أن هذه التعديلات التي فاق بعض جوانبها سقف مطالب الحراك الاجتماعي، وجاءت كلها بمبادرة استباقية تم الإيعاز بها من رأس الدولة مباشرة، جسدت على نحو عياني وملموس رغبة توافقية أصيلة في التقدم بخطى حثيثة نحو بناء دولة مدنية عصرية تنتمي إلى عصر الحرية والديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان، دولة الدستور والقانون والمؤسسات والقضاء المدني، ناهيك عن تعبيرات تداول السلطة والتشاركية والنزاهة والحوارات المنتجة، وغير ذلك من الأمنيات القابلة للتحقق في المدى المنظور.
وإلى أن تختتم هذه الورشة الإصلاحية الواسعة كل مفرداتها، وأن تتمخض هذه العملية عن تفاعلاتها المرغوبة، في مدة أقصاها نهاية العام الحالي، فإن من حق الأردنيين الملتاعين بما يحدث في الجوار القريب على خلفية مطالب الإصلاح، أن يفخروا من الآن، بأنهم شرعوا بحراك سلمي مثمر، وخاضوا سجالاً سياسياً كان حراً وصحياً، وحققوا درجة عالية من التفاهم فيما بينهم، عبر الحوار لا من خلال إراقة الدماء، وأكدوا بجلاء شديد قدرتهم على التجديد والإصلاح، وبرهنوا على تمتعهم بالحيوية وتوقهم الشديد إلى التماثل مع روح العصر ومفاهيمه وقيمه المعمول بها في أرقى الديمقراطيات الغربية.
إزاء ذلك كله، فإن لنا أن نقول باطمئنان شديد، إنه بات لعمان ربيع يخصها بالاسم، فصل يبعث على الأمل والاعتزاز، لا خوف عليه من التصحر أو الارتكاس، على نحو ما جرى لفصول مماثلة سبق لها أن صودرت في عواصم شقيقة، وأن نقول باطمئنان إن زنابق باسقة تتبرعم الآن في الحديقة المنزلية المسيجة، تسهر عليها عين ملك إصلاحي ينتمي إلى المستقبل، وتحرسها إرادات وطنية طيبة مفعمة بالثقة العميقة بالنفس وبمظاهر النضوج السياسي والإيجابية والرغبة في العبور الآمن لمفازة هذه المرحلة الانتقالية القصيرة.

التعليق