استمراء الرفض السياسي

تم نشره في الاثنين 15 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 15 آب / أغسطس 2011. 02:19 صباحاً

أفهم تماما أن تكون هناك ملاحظات على التعديلات الدستورية التي خلصت إليها اللجنة الملكية المكلفة، وأقبل أن من مكونات المجتمع السياسية من له رؤية وتصوّر آخران قد يتقدمان أو يتأخران عما أنتجته اللجنة، ولكن لا أدري ولا أفهم الفائدة السياسية من أن يتم رفض التعديلات الدستورية المقترحة ككل متكامل، وأن يحكم عليها من منظور نوايا الدولة الإصلاحية المشكوك فيها من قبل فئات من المعارضة السياسية. ألم يكن من المفيد أن يكون هناك تعامل أكثر رشدا مع هذه التعديلات، وأن تكون لغة النقد بنّاءة تظهر الإيجابي كما تفعل مع السلبي؟ أيريد الإخوة في المعارضة التي رفضت التعديلات إقناعنا أنه لا يوجد شيء إيجابي واحد في هذه التعديلات؟ أليست هذه هي العدمية بعينها في التعامل مع الشأن العام، والتي أثبتت التجارب واحدة تلو الأخرى أنها لا تفيد وتأبى أن تستفيد؟
إن أسلوب الرفض السياسي السلبي الذي استمرأته المعارضة لم ولن يؤتي مزيدا من التنازلات كما يتصور بعض المعارضين قصيري البصيرة، وإنما هو أسلوب انتقص من قدرة المعارضة في التأثير بالحراك الإصلاحي الوطني، وجعلها تخسر كثيرا من الإصلاحيين الذين كانوا داعمين لمساعيها الإصلاحية، لدرجة أن كثيرا منهم توقع ولم يكترث لرفض المعارضة التعديلات الدستورية.
عندما تسأل من تبقى من عقلاء المعارضة عن سرّ الإمعان في الرفض وفائدته المرجوة، يقولون لك إن هذا موقف سياسي محسوب، يزيد من تلاحم قيادة المعارضة مع قواعدها التي تريد أن ترى قياداتها تلك تقف بحزم أمام ما يعتبرونه ميوعة إصلاحية وتلكؤا. والقواعد الشعبية، بحسب قياداتها السياسية، وصلت لمرحلة تعتبر مجرد تبيان الإيجابيات الإصلاحية خنوعا وانهزاما سياسيا، وعودة عن المبادئ والقيم السياسية للتنظيمات المعارضة.
الحسبة السياسية "للرفض" بحد ذاتها أمر مقلق، فهي تدل على انحسار قدرة القيادات على التأثير في القواعد وانتقالها لموقع المتأثر وليس المؤثر فيها. وهي تدلل أيضا على سيادة حالة من السوداوية السياسية والعداء بالفطرة لقرارات الدولة الإصلاحية، حتى وإن بدا بعضها إيجابيا.
لا أدري كيف لنا نحن من نراقب الحراك الإصلاحي ونريده أن يتقدم بثبات واستقرار، أن نتعامل مع ظاهرة رفض المعارضة الدائم من دون مسوغات سياسية مقنعة لأي شيء إصلاحي مقدم؟ كيف يمكن لنا أن نقنع قيادات المعارضة أنهم حرموا البلد وأنفسهم من إسهاماتهم الإصلاحية المهمة في هذه المرحلة السياسية الحساسة، وأنهم بمواقفهم العدمية إنما يتحدثون لأنفسهم وليس مع من حولهم كما يجب أن يكون؟
التعديلات الدستورية، وبالرغم من كل ما قيل فيها، تبقى بتقديري كافية لأن ترفد البلد بالإطارين القانوني والدستوري اللازمين لبناء حياة برلمانية فاعلة. ومفيد للجميع أن يتم التعامل مع هذه التعديلات بشيء من الإيجابية التي أدى فقدانها في خطابنا السياسي العام إلى تبديد الروح المعنوية الوطنية حول الإصلاح.
لم يعد مقبولا من المعارضة الرفض والسلبية، بل ومطلوب منها خطاب سياسي إصلاحي عقلاني، وبناء يعتمد الإيجابية بالطرح والتي من شأنها أن تستقطب مزيدا من النخبة وتقنع الدولة أن المعارضة تمتلك من النضج ما قد يسمح بالتفكير بها كحكومة مستقبلية تقود البلد.

التعليق