إبراهيم غرايبة

الدولة في الألفية الثالثة

تم نشره في الأربعاء 10 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 11 آب / أغسطس 2011. 08:01 مـساءً

كيف يفترض أن تكون الدولة في الألفية الثالثة؟ يعرض هانز آدم الثاني، حاكم إمارة ليشتنشتاين، في هذا الكتاب رؤية فريدة وشخصية لدولة الألفية الثالثة، والاستراتيجيات التي يمكن بواسطتها تحقيق ذلك، معتمدا على اطلاعه الواسع على أصول الدولة، وعلى خبرته كحاكم ينتمي إلى أسرة حاكمة لعدة قرون، ورجل أعمال، ومؤرخ.
ويحلل الكتاب القوى التي أثرت في التاريخ البشري في الماضي، ومن المحتمل أن تستمر كذلك في المستقبل المنظور؛ الحجم والموقع والموارد، وأدوارها وواجباتها، ما استجد وما بقي، وما يتغير؛ حماية القانون والنظام وتسيير السياسية الخارجية والدفاع عن الأرض والناس، والتعليم، والصحة والرعاية الاجتماعية، وسائر الخدمات مثل النقل والاتصالات والماء والكهرباء. كما يسبر المؤلف أغوار استراتيجية تتناول كيفية تحقيق الدولة الدستورية العصرية في الألفية الثالثة، ويتناول مجموعة واسعة من المواضيع تشمل تحليلات الديمقراطيتين المباشرة وغير المباشرة من خلال الخبرة المكتسبة من الثورة الأميركية (1776) والثورة الفرنسية (1789) والدستور السويسري للعام 1848، ويستلهم العبر من الفرص المتاحة للإصلاح بالاستناد إلى مواكبته للإصلاح السياسي في إمارة ليشتنشتاين.
إن الهدف المثالي للناس ألا يكون ثمة دولة، وأن يعيش الناس بسلام ووئام من غير سلطة. ولكن ذلك يحتاج إلى قانون، وتطبيق القانون يحتاج إلى دولة. وقد نشأت الشيوعية الاشتراكية مستهدفة مجتمعا لا طبقية ولا دولة فيه، ولكنها آلت إلى ديكتاتورية شمولية لعلها الأكثر قسوة في التاريخ الحديث، فقد قتل في معتقلاتها الجماعية عدد كبير من الناس، ويقدر عدد الذين قتلوا في الاتحاد السوفيتي بعشرين مليون شخص! ويقال إن كمبوديا فقدت ثلث شعبها في ظل حكم شيوعي شمولي دفع بها إلى التخلف والإبادة.
أصول الدولة
يعرض المؤلف في هذا الفصل نماذج تاريخية للصراع بين الإثنيات المختلفة حول تقرير المصير في دول عدة، مثل سويسرا ويوغسلافيا والاتحاد السوفيتي وكندا. وفي حين أمكن استيعاب التعددية الإثنية بالتنازل لصالح الأقليات في سويسرا وكندا وغيرهما من الدول، فقد انهار الاتحادان السوفيتي واليوغسلافي تحت وطأة الصراع الإثني.
ويعرض أيضا تجربة ليشتنشتاين، الإمارة الصغيرة التي يحكمها وسبب نجاحها وازدهارها، فيراه اقتصاديا في صناعة النسيج والاتفاق التجاري مع سويسرا. وبعد الحرب العالمية الثانية واصلت الإمارة نجاحها، واستفادت من فرصة الانفتاح الاقتصادي في اجتذاب استثمارات واسعة معتمدة على الضرائب المنخفضة والخبرة المهنية والحرفية الطويلة لسكانها.
وأما نجاحها سياسيا، فإنه مستمد برأيه من سياسة الإمارة في خدمة مواطنيها والبحث عن رضاهم. وليس مهما برأيه حجم الدولة أو طبيعة نظامها السياسي، سواء كان فرديا أو نخبويا أو ديمقراطيا أو غير ديمقراطي في النجاح السياسي، ولكن العبرة بالعدالة وخدمة المواطنين وتحقيق الرضا.
يختار المؤلف تعريفا للدولة من بين التعريفات الكثيرة جدا بأنها منطقة جغرافية محددة المعالم إلى حد ما، وافقت غالبية سكانها على سلطة مركزية، أو أنها قبلت بهذه السلطة بحكم المدة الطويلة من الزمن. ويجب أن تكون هذه السلطة المركزية في وضع يخولها الدفاع عن أرضها وشعبها ضد العدوان الخارجي بوسائل دبلوماسية، أو بواسطة السلاح.
ونشأت على مدى التاريخ نماذج عدة للدول وأنماط إدارتها وقيادتها، منها حكم الفرد، والنخبة (الأرستقراطية)، وعلى نحو ما فإن الجهاز الحكومي والإداري الحديث وقيادة السلطات والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية تشكل اليوم النخبة الحاكمة، أو هي صيغة حديثة من الأرستقراطية تمثلها طبقة الحكام والبيروقراط والتكنوقراط، وهكذا فقد ظل نظام النخبة متبعا في الحكم والإدارة.
وطورت الإنسانية نظام "الديمقراطية" في الحكم والإدارة، بمعنى حكم الشعب. وقبل الثورة الأميركية كانت الديمقراطية تقتصر على الدول المدينية والكيانات السياسية الصغيرة، حيث يمكن للناس التجمع لمناقشة مسائل ذات اهتمام مشترك، وإيجاد حلول لها (يمكن وفق هذا المفهوم اعتبار نموذج المدينة المنورة والخلفاء الراشدين والتراث العربي المجتمعي والقبلي في الشورى ديمقراطية).
وكان للدين على مدى آلاف السنين دور مهم في عملية إنشاء الدول والمحافظة عليها، ولعب دورا مهما ومهيمنا في التاريخ البشري، لأن التدين كما يرجح المؤلف هو جزء من خلفية الناس الجينية. وكان للقبائل الأمية وما تزال قوانينها الشفوية التي تمرر من جيل إلى آخر، وهناك حاجة إلى إضفاء شرعية دينية يمنح بموجبها قانون وسلطة، أو شرعية مستمدة من غالبية الناس، بالاقتراع والتصويت المباشر أو غير المباشر.
وكانت الطقوس الدينية تلعب دورا أساسيا في الدول، فتحفظ أموالها في المعبد، وتواكب الطقوس الدينية كل مناسبة من مناسبات الدولة. وكان الدين بالنسبة للرومان والإغريق والأوروبيين في العصور الوسطى رابطا مهما بين الناس.
لماذا لعب الدين وما يزال دورا أساسيا في التاريخ البشري؟ يتساءل المؤلف، ويجيب بأن التوازن الصحيح بين الفردية والأنانية والسلوك الاجتماعي الذي يمنحه الدين للأفراد والمجتمعات يؤدي إلى الاستقرار. وقد أدت محاولات إحلال الشرعية القومية أو الاشتراكية بدلا من الشرعية الدينية إلى مجازر وديكتاتوريات قاسية.
حجم الدول وتأثير التكنولوجيا العسكرية
مرت أوقات هيمنت فيها الدول الكبيرة والمركزية، وكانت الدول الصغيرة واللامركزية هي السائدة لفترة طويلة من الزمن. وهناك قارات تعايشت فيها دول كبيرة وصغيرة، وقارات أخرى كان واقع الحال فيها مختلفا.
وتلعب التكنولوجيا العسكرية وشبكات النقل دورا حاسما في تشكيل الدول وقوتها. وكانت المدن تدافع عن نفسها بالأسوار والقلاع والحصون، ولكن المدافع التي أسقطت القسطنطينية (اسطنبول) العام 1453 غيرت وجه الدول وطبيعتها.
وأسهمت جيوش الفرسان في قيام دول مستقرة وقوية لفترة طويلة من الزمن، ثم غيرت الثورة الصناعية موازين القوى. وكانت الطرق البرية والنهرية والبحرية تؤدي دورا أساسيا في قوة الدول وغناها، ثم غيرت تقنيات النقل القائمة على المحركات البخارية (السيارات والطائرات والقطارات والسفن العملاقة البخارية) ذلك كله، وأعادت صياغة الدول والموارد.
واليوم، تتمتع الولايات المتحدة الأميركية بقيادة العالم بفضل قوتها التقنية والاقتصادية والعسكرية، وربما ستظل كذلك لعدة عقود قادمة. وبرأي المؤلف، فإن البشرية تجد نفسها في وضع يوفر لها الحظ السعيد، بل الاستثنائي؛ فللمرة الأولى تهيمن قوة عسكرية عظمى واحدة على العالم بدون أن يكون لها طموح توسعي احتلالي.
دولة المستقبل
كيف يفترض بدولة المستقبل أن تبدو كي تلبى حاجات البشرية في الألفية الثالثة بأفضل طريقة؟ يتساءل المؤلف، ويجيب بأن الدولة الجديدة هي بنية شديدة التعقيد من عدة أنظمة منسجمة مع بعضها بعضا. ويقول إن العديد من الدول تعرضت لفشل ذريع لأنها انطلقت من صورة مثالية عن البشرية لم تتطابق مع الواقع، والشيوعية هي إحدى الحالات غير الواقعية، والتي تسببت بقدر كبير من المعاناة للشعوب.
يقول المؤلف إن التحدي في الألفية الثالثة سيكون في تطوير دولة تلبي الشروط التالية: الحؤول دون اندلاع حروب بين الدول إضافة إلى حروب أهلية، وعدم خدمة جزء من الشعب متمتع بالامتيازات فقط، بل كل الشعب، وتقديم حد أقصى من المشاركة وحكم القانون للشعب، والاستعداد للمنافسة في عصر العولمة.
ويمكن أن تكون قرارات الأغلبية غير منصفة، ولا تكون الأغلبية محقة على الدوام، وقد تتسبب أغلبية متناغمة نسبيا وذات طابع إثني ديني أو لغوي أو ثقافي أو سياسي بتطهير إثني في ظروف معينة من خلال وضع الأقلية في ظروف غير مؤاتية، ولمدة طويلة من الزمن، في الميدان الاقتصادي أو الثقافي أو الديني أو السياسي بحيث تلجأ الأقلية إلى الهجرة أو يتم استبعادها بشكل إلزامي. ففي الولايات المتحدة كانت دولة ديمقراطية يحكمها القانون، وفي القرن التاسع عشر تعرض السكان الهنود الأصليون لمجازر لم تستثن النساء والأطفال.
دولة الرفاه
هل يفترض بدولة المستقبل المحافظة على دولة الرفاه بصورتها الحالية، أم توسيعها ربما أكثر فأكثر؟ إن نظام التضامن والدعم المتبادل سلوك اجتماعي أصيل في البشرية، على المستوى الفردي والجماعي، ولكن الدعم الذي توفره الجماعة في مجتمع صغير يعرف الناس فيه بعضهم بعضا لم يعد ممكنا الاستمرار فيه في مرحلة الصناعة وما بعدها والمدن الكبرى. فلم تعد نسبة كبيرة من السكان تعرف بعضها، أو تنتمي إلى مجموعات اجتماعية تقليدية، وكانت محاولة العودة إلى مرحلة التضامن في الدول الحديثة كما فعلت الشيوعية كارثة اقتصادية وسياسية.
وحاول اقتصاد السوق الاجتماعي تطبيق السلوك الاجتماعي للقرى والمدن الصغيرة في العصر الزراعي على الدولة الصناعية، من خلال المحافظة على الملكية الخاصة واقتصاد السوق، وكان هذا النموذج أكثر نجاحا من الشيوعية، ولكن اليوم تواجهه أزمة وسيواجه الفشل في النهاية.
فدولة الرفاه تواجه اليوم أزمة في عصر العولمة مع التزايد السريع لحركة الناس والخدمات والسلع، ففي مرحلة العولمة التي تقرب الإنسانية من بعضها أكثر فأكثر، هل يمكن للدول أن تبرر اجتماعيا إجبار مواطنيها على تقديم دعم مالي لتأمين حياة رغدة لطبقة صغيرة مختارة؟ ألا يكون منح الأفراد والجماعات السكانية المحلية فرصة مساعدة الأكثر فقرا، من خلال هبات فردية أو دعم مجتمعات تتمتع بإدارة جيدة في العالم النامي، عملا ينمّ عن مسؤولية أكبر؟ فمقدار المال الذي يدفع شهريا على صورة رواتب تقاعد إلى موظف رسمي واحد في برلين لا ينقذ حياة عشرات الأطفال في بلدان العالم الثالث فحسب، بل يغطي تكاليف تعليمهم أيضا، ألم تكن المعونات الأجنبية المقدمة هدرا لأموال دافعي الضرائب في معظم الحالات وكان ضررها أكثر من فائدتها؟
لقد ساعدت دولة الرفاه أيضا حكم النخبة على اقتحام الحياة الخاصة للمواطنين لأجل تحصيل الضرائب وتمويل بيروقراطية الدولة، والتسبب بديون كبيرة تلقي بعبئها على كاهل أجيال المستقبل. وتمثل التغطية التأمينية للحوادث والضمان الصحي تحديا كبيرا اليوم، فهي مصدر نزف وتكلفة كبيرة جدا. ويمكن بطبيعة الحال تخفيض النفقات المفرطة وسوء الاستخدام في التغطية التأمينية للحوادث والضمان الصحي، وفي الوقت نفسه فإن معالجة المرضى مبدأ اخلاقي اجتماعي وديني لا يجوز التخلي عنه.
هناك الكثير مما يتعين قوله لصالح دولة الألفية الثالثة التي تتخلى تدريجيا عن نظام الرفاه، مثل الانتقال إلى رفع سن التقاعد وإصلاح سوق العمل، ونقل نظام الرفاه برمته إلى المجتمعات والإدارات المحلية. وستؤدي عولمة الاقتصاد إلى تناغم أسعار السلع والخدمات، ويعد هذا الأمر فرصة على الصعيد الاجتماعي، فالتنافس يؤدي إلى جودة المنتجات وتخفيض الأسعار.
وبالطبع، فقد أدت العولمة كما أدت المكننة من قبل إلى فقدان عدد كبير من الوظائف والأعمال، ولكن الحل الأفضل هو استحداث وظائف جديدة في شركات يمكنها المنافسة في اقتصاد معولم، وقيام النظام التربوي والتعليمي الذي يمكّن المجتمعات من المشاركة في الاقتصاد العولمي.
التعليم
بدأت الدولة الحديثة منذ القرن التاسع عشر تتولى مسؤولية التعليم لأبنائها. وفي هذا العصر تعد الأمية إعاقة كبيرة، ويستحيل على الشخص الأميّ اليوم الحصول على وظيفة ذات أجر معقول. ولكن بالرغم من ذلك يتساءل المؤلف إذا كان يفترض أن تستمر دولة المستقبل في إدارة النظام التعليمي أم تفويضه للإدارات المحلية، وتبقى للدولة مهمة وضع إطار قانوني للنظام التربوي ومراقبته. ويتحدث أيضا عن نظام القسائم لتمويل تعليم الأطفال، والذي يمنح برأيه فرصا متساوية للأطفال سواء كانوا من عائلات غنية أم فقيرة.
ويرى المؤلف أن المدارس تميل إلى مؤسسات غير فعالة، وتحول الأنظمة السياسية والنقابية في دول كثيرة دون الرقابة والمحاسبة، والحل برأيه بإشراك الأسر والجماعات السكانية والإدارات المحلية في إدارة العملية التعليمية.
النقل
هل يفترض بالنقل أن يكون من واجبات الدولة؟ ما تزال الطرق مسؤولية الدولة في جميع أنحاء العالم، ولكن المؤلف يعتقد أن شبكات الطرق الكثيفة أسهمت في أعباء معقدة على دافعي الضرائب والموارد العامة لا تتوقف عند شق الطرق، ولكنها تنشئ أنظمة إقامة وسكن تنشئ متوالية من الالتزامات الأخرى كالتعليم والكهرباء والماء والاتصالات.
ويقترح المؤلف فرض رسوم (النظام الالكتروني المتبع يجعل ذلك سهلا وممكنا)، واستخدام إيرادات هذه الضرائب في مكافحة التلوث وحل المشكلات والأعباء الناشئة عن استخدام الطرق والنقل، مثل نظام سكة الحديد السريع، والذي يخفف كثيرا من استهلاك الطاقة ونفقات شق الطرق.
الاعتمادات المالية العامة
كيف تمول دولة المستقبل نفسها؟ يتعين على الدولة إعادة النظر في اعتماداتها المالية، بحيث تركز على المحافظة على القانون والنظام وتسيير السياسات الخارجية، وتمويل التعليم، وتفوض الإدارات المحلية والجماعات السكانية بكثير من أعمالها السابقة، وأيضا بالحصول على جزء من الإيرادات والضرائب. والواقع أن الحديث في هذا المجال قائم على السياسات الضريبية أو جمع وإدارة وإنفاق الموارد العامة وحقوق وملكيات الدولة في الأراضي والتعدين.
الدولة في الألفية الثالثة
تأليف: هانز آدم الثاني
 (الأمير الحاكم في ليشتنشتاين)
ترجمة: حسان البستاني
الدار العربية للعلوم،بيروت
الطبعة الأولى، 2010
311 صفحة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دور الدولة في الالفية الثالثة (safaarayyan)

    الأربعاء 10 آب / أغسطس 2011.
    انه عمل رائع ومبتكر لرجل دولة متميز وسياسي ملهم نال ثقة شعبه فجاء عمله هذا بصمة مشرفة في تاريخ الديموقراطيات في العالم وحظيت على اهتمام المراقبين والباحثين في شؤون الادارة العصرية للدولة من خلال شرحه وعرضه للمقترحات الصالحة لجعل الدولة الدستورية اكثر ديموقراطية ومثالية وكيفية تحقيق الدولة الدستورية والغاية المرجوة من الدستور التمهيدي لدولة الالفية الثالثة وهي نظرة ثاقبة بعيدة كل البعد عن اي شكل من اشكال التمييز العنصري وحريصة كل الحرص على سلامة ومستقبل الشعوب