الدولار لن يعود كما كان

تم نشره في الأربعاء 10 آب / أغسطس 2011. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الخميس 11 آب / أغسطس 2011. 07:01 مـساءً

خلاصة القول ان العملة الخضراء، رمز القوة الأميركية ووسيلة التبادل الدولي، لن تسقط كما يتوقع بعض المحللين، ولكنها لن تعود كما كانت، وأن شمسها بدأت تتضاءل تدريجياً.
لقد أقدمت شركة "ستاندارد أند بورز" على تخفيض تقييمها لسندات الدّيْن الأميركية، وذلك لأول مرة في تاريخ هذا البلد.
 وبررت الشركة ذلك التخفيض بالمخاطرة السياسية الناجمة عن أسباب أميركية داخلية، ولكن الواقع أعقد من ذلك، ويتطلب تحليلاً أعمق. إن الخلاف الذي بدأ يستفحل في الولايات المتحدة بين الحزبيْن الجمهوري والديمقراطي ليس مجرد مناورات سياسية لكسب الأصوات في انتخابات العام 2012، ولكنها تعكس انقساماً فكرياً واجتماعياً عميقاً.
 لقد تجاوز جورج بوش الابن أثناء رئاسته 2000-2008 كل الحدود في خدمة مصالح رجال الأعمال وقطاع المصارف والمال والنفط والمقاولين والسلاح على حساب الطبقتين المتوسطة والدنيا. وجاء باراك أوباما ليعيد الأمور الى توازنها، ولكن بعدما عانى الاقتصاد الأميركي العام 2008 من أسوأ كارثة مالية منذ العام 1929.
لقد ركز أوباما على خدمة أصحاب المشروعات المتوسطة والصغيرة، والفئات العاملة، وسكان الأحياء الفقيرة، فقدم لهم خدمات أوسع في مجال الرعاية الصحية، والعلاج، والدعم الأسري، ورعاية المحتاجين، والطلاب خاصة أبناء المهاجرين والملونين.
إن الديموغرافيا الأميركية تتغير بسرعة، وصار لدى البيض هاجس أنهم يفقدون مكانتهم. وهي مشاعر يشاركهم فيها كثير من الأوروبيين. ولعل هذا يفسر مذبحة النرويج قبل عشرة أيام، وبروز الأحزاب اليمينية المتطرفة، وكثرة الهجوم على الدِّين الإسلامي ورموزه.
وبالمقابل، فإن الملونين (سواء كانوا أفارقة أو من أميركا اللاتينية أو من القارة الآسيوية) صاروا يشكلون وزناً كبيراً داخل الولايات المتحدة وخاصة في الولايات الساحلية.
 ولهذا نرى أن حد الفصل الديموغرافي صار يقسم أميركا الى مناطق ساحلية مزاجها ليبرالي، ومناطق داخلية مزاجها أقرب الى التقليد والمحافظة، ولكن هذا التقسيم ليس دقيقاً تماماً، فهنالك استثناءات وتداخلات.أما على المستوى الدولي، فإن بروز قوى اقتصادية جديدة ذات وزن كبير مثل الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والصين، والبرازيل، والهند صار يشكل تحدياً سافراً للولايات المتحدة في جلوسها منفردة على عرش العالم الاقتصادي. وتطالب هذه الدول الولايات المتحدة بالتصدي للعجز في موازنتها، وتصويب الخلل الهيكلي في اقتصادها الاستهلاكي، وإعادة النظر في بنْية تجارتها الخارجية.
والأمم المتحدة تقول إن العالم لا يستطيع الاعتماد في حركة اقتصادِهِ ونظامِهِ المالي والنقدي على العجوزات الهيكلية في الاقتصاد الأميركي، ولذا لا بد من أن يغير نظام الدولار بنظام نقدي يعود الى سلة العملات، أو عدة عملات دولية، أو الى الذهب.
سوف ترتفع أسعار الفوائد، وسيمر العالم في فترة ركود اقتصادية جديدة، وربما يستمر سعر الذهب في الارتفاع الى حين، وربما يستقر سعر النفط عند (80) دولاراً للبرميل، ولربما تتحسن صورة التوظيف في سوق العمل الأميركي. ولكن العالم لن يعود كما كان.إن لمثل هذه التطورات الاقتصادية الكبرى أثراً واضحاً على الاستقرار العالمي والسلم الدولي، فهل ستستمر القوى الدولية في حرب بعضها البعض بالإنابة؟ أم أننا لا سمح الله مقبلون على مواجهات أكبر؟
لقد كان الثمن الذي دفعه العالم للخروج من كساد الثلاثينيات هو الحرب العالمية الثانية، فماذا سيكون ثمن الخروج من الوضع الراهن أو تغييره؟ هل ستقبل الولايات المتحدة بالتنازل عن مكانتها بهدوء؟

التعليق