عيسى الشعيبي

مصالحة أم مساكنة؟

تم نشره في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 9 آب / أغسطس 2011. 03:08 صباحاً

حين جرى فجأة، وعلى غير توقع من أحد، التوقيع على اتفاق المصالحة الفلسطينية في القاهرة، أواخر نيسان (أبريل) الماضي، وسرت في حينه موجة من التفاؤل الحذر بنجاح القوم هذه المرة في تحقيق ما ظل عسيراً على التحقق طوال فترة طويلة سابقة، كنت واحداً من الذين لم يغرهم البرق الخلّب، أي ذلك الوميض السماوي غير المبشر بالمطر.
في حينه لم أكن راغباً في الظهور بمظهر مخرّب الزفة، مما جعلني امتنع عن الانسياق وراء التشاؤم، والإبحار عكس اتجاه رياح الأمنيات والقراءات الرغائبية، معللاً النفس ببقية باقية من ضوء طفيف يشتعل في آخر النفق المديد، راجياً ما لا يرجوه الكاتب لنفسه أبداً، في أن أكون مخطئاً وذا رؤية متطيرة.
ومع أنني لست من جماعة "ألم أقل لكم ذلك من قبل"، فقد كان تشخيصي الأولي المتحفظ على ذلك الاتفاق القاضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية في غضون شهر من التوقيع عليه، يستند إلى كونه اتفاقاً اضطرارياً أملته الحسابات الجزئية والتحسبات الظرفية، ناهيك عن الاعتبارات الذاتية والمصالح الجزئية لطرفين متنازعين على كل شيء، وجدا نفسيهما في لحظة تاريخية ملتبسة مكرهين على الركوب في مركب واحد، وفي ذهن كل طرف الوصول إلى مرفأ مغاير.
وبالفعل، فقد جرت الوقائع على مدى الأشهر اللاحقة على حفل التوقيع في القاهرة، مبرهنة على صحة تلك القراءة "المتشائلة"، حيث توقف قطار المصالحة في محطة انطلاقه الأولى، بعد أن حقق الطرفان، كل على حدة، أقصى غاياته الذاتية في عبور مرحلة انتقالية مفتوحة على سائر الاحتمالات الإقليمية الممكنة بالحد الأدنى من الخسائر، ثم أدارا الخلاف المرير بينهما على قاعدة التعايش مع واقع الانقسام، والمساكنة بسلام في إطار يتسع لكل أنواع المناورة.
ذلك أن الطرفين اللذين اجتمعا في القاهرة مؤخراً، وأخفقا في توفير الطاقة اللازمة لتحريك قطار المصالحة، أظهرا علناً رضاً مدهشاً عن التزام كل واحد منهما إزاء الآخر، بقواعد اللعبة القائمة على التسليم سراً في قرارة النفس بحقيقة أن ما جرى قبل أكثر من أربع سنوات كالحة، وأساسه تقاسم السيادة المنقوصة، والتهادن بين الشرعيات المطعون بها، سوف يظل قائماً ومعترفاً به في نطاق قناعة مستترة بأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء مطلقاً.
وهكذا، فر المجتمعون مجدداً في مقر المخابرات العامة المصرية من مواجهة الاستحقاقات الكبيرة إلى شياطين التفاصيل الصغيرة، بدون تلاوم أو تبادل لذلك النمط المعهود من الاتهامات الاعتيادية، وانعطفوا عن الأوتوستراد العريض إلى مسارب فرعية، أي من الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية إلى معالجة مسائل إجرائية، أحسب أن كل مسألة منها توفر الذرائع المناسبة لإبقاء واقع الانقسام العميق على حاله.
وعليه، ومهما كانت النوايا بيضاء ولا أخالها كذلك، وكانت الإرادات الذاتية جادة وهو أمر موضع شك مسبق، فإن الوقائع التي بناها الانقسام على الأرض، جنباً إلى جنب مع شبكة المصالح والرغائب والهواجس والمطامح المتعارضة، باتت مع مرور الوقت قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها، وخلق ما يكفي من المصاعب القادرة على تفريغ القاطرة من قوة الاحتراق اللازمة لدفع عربات القطار على السكة.
وإذا كان هناك من رهان باق على طيّ صفحة الانقسام الكريه هذه، فهو الرهان على مآلات الربيع العربي المأمولة في زمن آتٍ، بعد أن وفرت مقدماته المبكرة الأرضية المواتية لإنهاء ما سمي بمعسكر الممانعة، وبالتالي إنهاء الحاضنة الحقيقية لحالة الانقسام الفلسطيني، الذي كان يجري تغذيته بالإدعاءات والمزاعم الفارغة، وتعميقه بالولاءات والمرجعيات المتهافتة.
وإلى أن ينجلي الواقع العربي الأشمل عن مشهد جديد، ويلقي بمضاعفاته الإيجابية المرجوة على واقع فلسطيني مكشوف أمام كل المؤثرات الخارجية، فلا ضرر من تبريد حرارة المواجهات اللفظية على جانبي خط الانقسام الداخلي، وإدارة مفرداته بغير احتدام وتأجيج لمظاهر النزاع، وبالتالي المساكنة بلا سجال صاخب بين الشقيقين المتخاصمين داخل البيت الواحد، من منطلق أن هذا الواقع المؤلم هو مجرد ظاهرة أخرى مؤلمة من بين مظاهر مماثلة عديدة تزخر بها الحياة السياسية الفلسطينية.

التعليق