القواعد الجديدة للقوة

تم نشره في الاثنين 8 آب / أغسطس 2011. 03:00 صباحاً

خافير سولانا ودانيال انيرارتي*
مخاوف الإنسانية الرئيسة اليوم لا تتعلق بالشرور المطلقة بقدر ما تتعلق بالتهديدات غير المحددة. فنحن لا نشعر بالقلق من المخاطر الظاهرة، بل من المخاطر الغامضة التي يمكن ان تضرب عندما لا تكون متوقعة، علما أننا غير محميين بشكل كاف من تلك المخاطر. 
هناك بالطبع مخاطر محددة ومعروفة، ولكن أكثر شيء يقلقنا فيما يتعلق بالإرهاب، على سبيل المثال، هو طبيعته التي لا يمكن توقعها. إن أكثر شيء يثير القلق بالنسبة للاقتصاد هذه الأيام هو تقلبه، أي بعبارة أخرى عدم قدرة مؤسساتنا على حمايتنا من أقصى حالات انعدام اليقين والغموض فيما يتعلق بالأمور المالية.
بشكل عام، إن الكثير من قلقنا يعكس احتمالية تعرضنا لتهديدات، والتي لا يمكن أن نتحكم بها إلا بشكل جزئي. لقد عاش أسلافنا في عالم أكثر خطورة ولكن أقل مخاطرة. لقد تحملوا درجة من الفقر يصعب على أولئك الذين يعيشون في البلدان المتقدمة تحملها اليوم، بينما نحن معرضون لمخاطر يصعب علينا فهم طبيعتها ولكن بالنسبة لأسلافنا كان سيكون من المستحيل عليهم تصورها.
نظرا إلى أن الترابط يعرض كل شخص في العالم للمخاطر بشكل غير مسبوق، فإن إدارة المخاطر العالمية هو التحدي الأكبر للإنسانية. فكروا في التغير المناخي ومخاطر الطاقة النووية والانتشار والتهديدات النووية (مختلفة نوعيا عن مخاطر الحرب التقليدية)، والتأثيرات المدمرة لعدم الاستقرار السياسي والتداعيات الاقتصادية للأزمات المالية والأوبئة (والتي تزداد مخاطرها مع تحسن النقل والتجارة الحرة)، وحالات الذعر المفاجئة التي تشعلها الصحافة مثل أزمة الخيار التي حدثت مؤخرا في أوروبا. إن كل هذه الظواهر تشكل جزءا من الجانب المظلم للعالم في ظل العولمة: التلوث، العدوى، عدم الاستقرار، الترابط، الاضطرابات، الضعف المشترك، التأثيرات العالمية، بالإضافة الى التعرض الشديد للمخاطرة. وفي هذا السياق، فإن بإمكان المرء أن يتحدث عن "الطابع الوبائي" لعالمنا المعاصر.
إن الترابط هو في واقع الأمر اعتماد متبادل، أي تعرض مشترك للمخاطر. فلا يوجد شيء منعزل تماما، و"الشؤون الخارجية" لم يعد لها وجود: كل شيء أصبح شأنا وطنيا أو حتى شخصيا. إن مشاكل الناس الآخرين أصحبت الآن مشاكلنا، حيث لم يعد باستطاعتنا أن ننظر إليها بدون اكتراث أو أن نأمل بجني بعض المكاسب الشخصية من تلك المشاكل.
إن هذا هو سياق وضعنا الحالي الغريب فيما يتعلق بتعرضنا للمخاطر. فما كان يحمينا في السابق (البعد المكاني والتدخل الحكومي والبصيرة والطرق الدفاعية الكلاسيكية) قد ضعفت، وهي الآن توفر القليل من الحماية أو لا توفر حماية على الإطلاق.
ربما لم نأخذ بعين الاعتبار جميع العواقب الجيوسياسية الناتجة عن هذا المنطق الجديد من الاعتماد المتبادل، وفي هذا العالم المعقد فإنه حتى الأقوياء لا يتمتعون بحماية كافية. إن منطق السيطرة يتعارض مع الظواهر الحالية التي تتميز بالتفكك والاستقلال الذاتي؛ لو فكرنا في باكستان على سبيل المثال أو ايطاليا لوجدنا أن هذين البلدين يخلقان اختلالا وتفاوتا ليس بالضرورة لصالح الأقوياء.
إن الضعفاء عندما يكونون متأكدين أنه ليس باستطاعتهم الفوز، فإن بإمكانهم أن يقوموا بإيذاء الأقوياء، وحتى أن يجعلوهم يخسرون. وعلى النقيض من مبدأ السيادة الذاتية في نظام الدول، والذي استمر لعقود وبموجبه يكون ثقل كل دولة هو العامل الحاسم، فإنه في عالم مترابط فإن أمن الأقوى واستقراره السياسي وصحته وبيئته هو دائما رهينة للأضعف. إن الجميع معرضين لتأثيرات الفوضى والاضطرابات التي تأتي من الأطراف.
إن ظروف هذا التعرض الشديد للمخاطر غير مسبوقة في معظمها، مما يثير العديد من الأسئلة التي لا يتوفر لدينا الاجوبة الصحيحة بشأنها. ما هو نوع الحماية الذي سيكون مناسبا في مثل هذا العالم؟
إن من غير المفاجىء أن العولمة المعدية، والتي تزيد من تعرضنا للمخاطر، سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى استراتيجيات وقائية ودفاعية، والتي ليست بالضرورة متناسبة أو منطقية. إن كراهية الأجانب والغلو في الوطنية أشياء يمكن أن تحركها بعض الاستراتيجيات الدفاعية، مما قد يتسبب بأضرار أكثر من التهديدات والتي كان من المفترض أن تحمينا هذه الأشياء منها.
إذن، في هذه الحقبة والتي تشتمل على الاحتباس الحراري والقنابل الذكية والحرب الالكترونية والأوبئة العالمية، يجب حماية مجتمعاتنا باستراتيجات أكثر تعقيدا وبراعة. نحن لا نستطيع الاستمرار في البحث عن استراتيجيات تتجاهل تعرضنا المشترك لأخطار عالمية وبيئة الاعتماد المتبادل الناتجة عن ذلك.
يجب علينا أن نتعلم القواعد الجديدة للقوة في عالم يتكون من الخير المشترك –أو الشر المشترك- أكثر من المصلحة الذاتية أو المصلحة الوطنية. والأخيرة لم تختف بطبيعة الحال، ولكنها أثبتت أنه لا يمكن الدفاع عنها خارج إطار قادر على التعامل مع التهديدات والفرص المشتركة.
بينما سعت لعبة القوة القديمة إلى حماية المصالح الذاتية من دون أي اهتمام بمصالح الآخرين، فإن التعرض الشديد للمخاطر يجبر الأطراف على التعامل المتبادل مع المخاطر وتطوير أساليب تعاونية وتبادل المعلومات والاستراتيجيات. إن الحوكمة العالمية الفعالة بحق هي الأفق الاستراتيجي الذي يجب أن تسعى إليه الإنسانية بكل طاقتها.
هذا يبدو صعبا، وربما كان كذلك، ولكن هذا ليس أمرا يدعو للتشاؤم. إن التحدي المتمثل في إدارة المخاطر العالمية ليست أقل من تحدي منع "نهاية التاريخ"، ليس كتمجيد هادىء للانتصار العالمي للديمقراطية الليبرالية، لكن كاسوأ فشل جماعي يمكن أن نتخيله.
* خافير سولانا هو رئيس المركز الاقتصادي والجيوسياسي العالمي "ايساد"، وكبير زملاء السياسة الخارجية في معهد بروكنغز. وقد شغل قبل ذلك منصب الممثل الأعلى في الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن المشترك، وأمين عام سابق لحلف الناتو.
* دانيل انيرارتي هو مدير معهد الحكم الديمقراطي في جامعة بلاد الباسك.
خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق